معلومات التواصل

السودان،الخرطوم،الرياض

متواجدون على مدار الساعة

السودان بين مأزق الحرب واحتمالات الوصاية الدولية

مصباح أحمد محمد

بعد اقتراب الحرب في السودان من إكمال عامها الثالث، بات واضحًا أن خيار الحسم العسكري لم يعد سوى وهمٍ مكلف، يدفع ثمنه المدنيون يومًا بعد يوم، فيما تتآكل الدولة وتنهار مؤسساتها، ويتعمق الانقسام السياسي والاجتماعي. وبرغم هذا الواقع الكارثي، ما تزال أطراف داخل المشهد السوداني تراهن على استمرار القتال، وتعمل على تعطيل أي مسار جاد لوقف الحرب والانخراط في تسوية سياسية شاملة.
هذا الإصرار لا يفاقم المأساة الإنسانية فحسب، بل يضع السودان عمليًا على عتبة الوصاية الدولية، حيث تتقدم المبادرات الخارجية في ظل غياب إرادة وطنية موحدة، وتتراجع القدرة الداخلية على صياغة حلول نابعة من الواقع السوداني نفسه. فكلما طال أمد الحرب، اتسعت مساحة التدخل الخارجي، وتقلص هامش القرار الوطني.

كان بالإمكان تجنب هذا المسار منذ الأسابيع الأولى للحرب، عبر توافق وطني واسع يضع حدًا للصراع المسلح ويفتح الباب أمام عملية سياسية متكاملة. غير أن الانقسامات الحادة، وتغليب الأجندات العسكرية لطرفي الصراع والأيديولوجية لمشعلي الحرب من النظام البائد والمصلحية من المتكسبين من الحرب ، أضعفت صوت العقل، وأقصت القوى المدنية عن التأثير الفاعل، وفتحت المجال أمام منطق القوة ليصبح المرجعية الوحيدة لإدارة الأزمة.
في ظل هذا الفراغ، تحولت المبادرات الدولية من أدوات دعم إلى بدائل فعلية للإرادة الوطنية، وهو ما يهدد بتحويل السودان إلى ساحة تُدار أزماتها من الخارج، وفق اعتبارات أمنية وإقليمية، لا وفق تطلعات شعبه في السلام والدولة المدنية.

تأتي مبادرة الرباعية الدولية في هذا السياق بوصفها محاولة لاحتواء الأزمة ووقف انزلاقها نحو مزيد من الفوضى. ورغم ما توفره من فرص لفتح مسار تفاوضي، إلا أن قدرتها على إنتاج سلام مستدام تظل محدودة، ما لم تُستكمل بمعالجة جوهر الأزمة السودانية.
فالتجارب السابقة تؤكد أن أي تسوية لا تُشرك القوى الاجتماعية والسياسية الحقيقية، ولا تتعامل بجدية مع ظاهرة تعدد الجيوش والسلاح خارج إطار الدولة، لن تتجاوز كونها تسوية مؤقتة قابلة للانهيار. كما أن تجاهل الجماعات المتطرفة ومليشيات النظام السابق يكرّس أسباب الصراع بدل معالجتها.

وفي المقابل، تقع على عاتق القوى المدنية مسؤولية تاريخية لا تحتمل التأجيل، تتمثل في تجاوز خلافاتها وتوحيد رؤيتها حول أولوية وقف الحرب وبناء السلام. فغياب هذا الدور يترك الساحة مفتوحة أمام الأطراف العسكرية لفرض حلول تخدم مصالحها، بينما يُدفع المدنيون إلى هامش العملية السياسية.
ويتطلب ذلك انخراطًا عمليًا في الملفات الإنسانية العاجلة، والمساهمة في بناء الثقة بين الأطراف المتحاربة، والتحضير الجاد لعملية سياسية تقوم على أسس واضحة، تشمل إصلاح القطاع الأمني، وبناء جيش وطني مهني واحد، والتوافق على مشروع وطني يؤسس لدولة المواطنة المتساوية.

إن الاكتفاء بوقف إطلاق النار دون معالجة جذور الأزمة يحمل في طياته خطر إعادة إنتاج الصراع. فالسلام المستدام لا يتحقق إلا عبر حلول جذرية تعالج الاختلالات التاريخية في بنية الدولة، وتعيد الاعتبار للإرادة الوطنية بوصفها المدخل الحقيقي لأي تسوية ناجحة.
وفي نهاية المطاف، مهما بلغ حجم الضغط الدولي، فإن السلام العادل والشامل يظل مرهونًا بقدرة السودانيين على استعادة زمام المبادرة، وصياغة مشروع وطني يضع حدًا للحرب، ويعيد بناء الدولة على أسس جديدة من العدالة والاستقرار.

….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *