معلومات التواصل

السودان،الخرطوم،الرياض

متواجدون على مدار الساعة

نصف “قائد ” ونصف قاضي

في محكمة دنقلا حين يلتقي “النصفين”

استقصائي ” تقارير

غضباً من عبارة «نصف رجل ونصف قائد» وغضبة لحضرة البرهان ، أصدرت محكمة جنايات دنقلا، برئاسة القاضي محمد تاج الدين فضل السيد، حكماً قضى بإدانة المواطن الطيب محمد عمر حمد، وتغريمه مبلغ مليوني جنيه سوداني، مع عقوبة بديلة تتمثل في السجن لمدة ستة أشهر في حال عدم السداد، وذلك على خلفية اتهامه بالإساءة إلى رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وفق البلاغ رقم (1959) المؤرخ في 21 ديسمبر.

وتعود وقائع القضية إلى منشور دوّنه المدان على صفحته الشخصية بموقع “فيسبوك”، علّق فيه على خبر متداول بشأن مشاركة قائد الجيش في حفل زواج بالقاهرة، حيث أرفق الخبر بعبارات نقدية وصف فيها البرهان بأنه «نصف رجل ونصف قائد»، منتقداً ما اعتبره انفصالاً بين مظاهر الترف خارج البلاد ومعاناة المواطنين في الداخل، الذين يكابد كثير منهم شظف العيش ويعتمدون على “التكايا” طلباً للقوت.

ورأت المحكمة أن ما ورد في المنشور يشكل مخالفة صريحة لأحكام المادة (26) من قانون جرائم المعلوماتية، معتبرة أن العبارات المستخدمة تنطوي على إساءة وتحقير لشخص رئيس مجلس السيادة. وأكدت في حيثيات حكمها أن القرار يندرج ضمن مساعي الدولة للحد من التجريح والإساءة عبر الوسائط الإلكترونية، مع التشديد على ضرورة التزام مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بالقوانين وضوابط النشر، وتحملهم للمسؤولية القانونية المترتبة على المحتوى الذي يقومون بنشره أو تداوله.

ويعيد هذا الحكم إلى الواجهة نقاشاً قديماً متجدداً حول العلاقة الملتبسة بين القانون والسياسة في السودان، وحدود حرية التعبير، وانتقائية تطبيق النصوص القانونية. فقد جاء الحكم عقب تداول مقاطع مصورة سابقة لرئيس وزراء حكومة البرهان، كامل إدريس، يتعهد فيها بتفعيل قانون جرائم المعلوماتية، في سياق حديثه أمام شخصيات محسوبة على النظام السابق في الولايات المتحدة، وهو ذات الخطاب الذي استُخدمت فيه أوصاف قاسية بحق شباب ثورة ديسمبر، من بينها وصفهم بـ«الصعاليك»، وهي عبارات لم تُقابل بإجراءات قانونية مماثلة، رغم حدتها ووقعها.

وفي مفارقة لافتة، يبدو أن عبارات أقل حدة، وإن جاءت في سياق نقد سياسي، قد تقود أصحابها إلى قاعات المحاكم، وربما إلى السجن، بتهمة الحط من «الذات الرئاسية»، بينما تُقابل أوصاف أشد قسوة، تصدر من شخصيات أخرى وفي سياقات مختلفة، بالتجاهل أو التسامح، بل وقد تفتح لأصحابها أبواب القرب من دوائر السلطة ومنصات الحكم.

ويستحضر هذا الواقع حالات سابقة، من بينها التصريحات التي أطلقها والي الخرطوم الأسبق في عهد سيطرة قوات الدعم السريع، إبراهيم بقال، بحق رئيس مجلس السيادة وقيادات المجلس، وهي تصريحات لم تمنع لاحقاً من إعادة تقديمه في صورة «بطل» في سياق سياسي متقلب.

 

الطيب محمد عمر حمد، الذي يواجه اليوم عبء الغرامة الثقيلة، في ظل غياب ما يؤكد نية استئناف الحكم، قد يجد نفسه أمام مشهد أكثر إرباكاً حين يطالع عبر ذات الهاتف مقاطع مصورة لرجال دين بارزين يطلقون أوصافاً بالغة القسوة بحق رأس الدولة، دون أن تحرك تلك التصريحات ساكناً أو تستدعي غضباً قضائياً مماثلاً، الأمر الذي يعزز شعوراً عاماً بازدواجية المعايير في إنفاذ القانون.

إن هذه القضية، بما تحمله من تناقضات، تطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة العدالة وحدودها، وحول ما إذا كان القانون يُستخدم بوصفه أداة لحماية الدولة والمجتمع، أم مجرد «دليل» في يد سلطة انتقائية، قد لا يهدي إلى عدل، ولا يوصل إلى إنصاف، بل يعيد إنتاج مظالم انتهت إليها تجارب سابقة، كان مآلها الزوال، وبقيت دروسها شاهدة على أن الظلم، مهما طال أمده، لا يدوم.

مليونا جنيه هي كلفة «الحط من الذات الرئاسية» التي سيدفعها المدان ليغادر شبح الحبس، فيما يظل السؤال معلقاً حول من يبقى في سجن «النقصان»: قانونٌ يُغضِب لمن يقود الوطن والشعب نحو المهالك أكثر من غضبته لأجل الوطن والشعب، وقاضٍ يحتكم إلى نصٍّ قد لا يرى في العدالة سوى وجهها الانتقائي. هكذا يغدو القانون، في نظر كثيرين، «دليل غرابٍ» لا يهدي إلى طريق، ولا يبلغ غاية، وينتهي مصيره كما انتهى مصير ظالمين من قبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *