معلومات التواصل

السودان،الخرطوم،الرياض

متواجدون على مدار الساعة

جسر التجاوزات: البلة وسلمي، نفس الملامح وذات الشبح”

تقرير – استقصائي

في بلد تتشابك فيه مصالح السلطة مع مصالح الأفراد، ويبدو الفساد فيه شريكًا دائمًا في إدارة المشاريع الكبرى، يتجلى السؤال الأبرز: من يقف وراء العقود الضخمة والتجاوزات المستمرة؟ هنا يبرز إبراهيم بلة وسلمي عبدالجبار، وجهان لعملة واحدة، نفس الملامح وذات الشبح؛ تجاوزات السلطة والامتيازات الشخصية تتكرّر بين صفوفهم، لتكشف أن الفساد لا يختفي، بل يتوارث في مسارات النفوذ.
. في وقت يتزايد فيه التساؤل حول من هو إبراهيم بلة، الرجل الذي استحوذ على عقد صيانة جسر الحلفايا بمبلغ 11 مليون دولار في صفقة أعادت صياغة التعبير الشعبي من “ما عدا سوبا والحلفايا” إلى “ما عدا الكيزان”، أثار توقيع هيئة الطرق والجسور لعقدين مع شركتي إتقان للاستشارات الهندسية وللإنشاءات لإعادة تأهيل الجسر، موجة عارمة من الجدل والانتقادات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وسط اتهامات صريحة بغياب الشفافية وتجاوز الضوابط القانونية المنظمة للمشاريع القومية.
وقد بلغت قيمة التعاقد المعلنة نحو 11 مليون دولار، ما يعادل قرابة 42 تريليون جنيه سوداني، وهي تكلفة اعتبرها مراقبون باهظة جدًا لعملية “إعادة تأهيل”. وما زاد من حدة الانتقادات هو إبرام الصفقة عبر “التعاقد المباشر” دون طرح عطاءات عامة أو فتح باب المنافسة بين شركات المقاولات، وهو الإجراء الذي تتبعه الدول التي تعتمد معايير الحوكمة لضمان جودة العمل، تقليل التكلفة، ومنع الاختلاس.
بدأت شركة إبراهيم بلة العمل في صيانة الجسر حتى قبل توقيع العقود مع الحكومة، وصاحب الشركة كان متعهد صيانة الجسور في حقبة نظام البشير المخلوع، كما كشف ناشطون أن ابنه، الذي وقع العقود، هو صهر نائب الرئيس المعزول عثمان محمد طه.
لكن جسر تجاوزات بلة لم يلبث أن عبر بك نحو الخرطوم لتجد نفسك في مواجهة بطل آخر في سودان الحرب، ولواء جديد من التجاوزات، تحمله هذه المرة “سلمي عبدالجبار”، عضو مجلس السيادة التي عينها البرهان عقب الانقلاب، وأبعدها ثم أعادها عقب الحرب.
لا تبدو حكاية “سلمي” مثيرة للدهشة أو الاستغراب في بلد يبدو فيه الفساد واستغلال المنصب هو الأصل، وأحد مكملات “الكرامة” في سودان الحرب. كرامة لم تمنع صاحبة المنصب الرفيع من أن تحط من كرامة موظف عام قرر الالتزام بالقانون والقيام بواجبه على الوجه الأكمل.
وبحسب ما نقلت الصحفية رشان اوشي شهد مكتب مدير أراضي محلية الخرطوم، قبل يومين، زيارة شخص عرف نفسه بوصفه مندوبًا عن عضو مجلس السيادة د. سلمي عبدالجبار، حاملاً مستندات تتعلق بقطعة أرض تبلغ مساحتها نحو ألف متر مربع، مجتزأة من مجمع عباد الرحمن الإسلامي، وهو مجمع مملوك، وفق المستندات، لوالد عضو مجلس السيادة.
طلب المندوب تخليص إجراءات بيع قطعة الأرض، غير أن مدير الأراضي أبلغه بتوقف جميع إجراءات بيع الأراضي الاستثمارية، استنادًا إلى قرار مكتوب صادر عن والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة. وبحسب الشهود، غادر المندوب المكتب دون إتمام الإجراء.
لم ينته الأمر عند هذا الحد؛ ففي اليوم الثاني فوجئ مدير الأراضي بزيارة مباشرة إلى مكتبه من عضو مجلس السيادة نفسها، برفقة شقيقتها وعدد من المرافقين. واستفسرت عن أسباب رفض تخليص المعاملة، ليقوم المدير بإبراز قرار الوالي مكتوبًا. وعندها، طلبت منه الاتصال بالوالي هاتفياً لإبلاغه بطلب تمرير القطعة، وهو ما رفضه المدير، مبرراً ذلك بأن حدود تواصله الإداري الرسمي لا تتجاوز مدير أراضي ولاية الخرطوم.
انفعلت عضو مجلس السيادة، وقامت بضرب الطاولة براحة يدها، ووجهت اتهامًا مباشرًا لمدير الأراضي بالتواطؤ ضدها، قبل أن تغادر المكتب. غير أنها عادت لاحقًا برفقة الأمين العام لحكومة الولاية عبد الهادي ووزير التخطيط العمراني الولائي، وقام بطرد مدير الأراضي من مكتبه، مع توجيه إنذار مباشر له بعدم العودة إلى العمل أو حتى المرور بشارع مقر الأراضي. وفي اليوم التالي، صدر قرار بإيقافه عن العمل.
لكن من قال إن المشهد انتهى هنا! اليوم وصل رئيس مجلس الوزراء إلى مصلحة الأراضي بالخرطوم بتوجيه من رئيس مجلس السيادة، حيث تقدم كامل إدريس باعتذار رسمي للموظف آيات محمد المأذون مع إلغاء كل الإجراءات بحقه، وعودته لمباشرة مهامه فورًا، والتأكيد على عدم استثناء أي مواطن من اللوائح المنظمة لمعاملات الأراضي بولاية الخرطوم، مع ترتيب لعقد جلسة تصافٍ بين عضو مجلس السيادة وموظفي مكتب الأراضي بالولاية.

التصاف ومن ثم الاعتذار من قبل عضو السيادة للموظف العام لا يكفي؛ لأن الفساد ليس حقًا شخصيًا للمعتدى عليه فقط، بل هو حق عام للشعب. والاعتذار دون محاسبة يكرس الإفلات من العقاب ويضرب الثقة في مؤسسات الدولة، ويفتح الباب لتكرار الفساد من جديد كما هو حادث منذ تاريخ الاستقلال.
وفي حالة عضو مجلس السيادة، يجب أن يكون المعيار أعلى، لأنها في موقع أمانة لا سلطة شخصية، ولأنها تمثل الدولة لا نفسها. هذا الموقف يُعد تطبيعًا للفساد داخل أعلى مؤسسة سيادية، ويبعث رسالة واضحة: المنصب يحمي صاحبه، وهذا يضعف القيادة ويقوض الثقة العامة.
ما حدث دفع البعض للمطالبة بإقالة عبدالجبار من منصبها بتهمة استغلال النفوذ وتجاوز القانون، لأن الأرض مثار جدال يُقال إنها “وفق” لا يجوز التصرف فيها وفقًا لمقتضيات القانون. وحتى لو تم إقالتها من منصبها، فإن الأمر لن يغير من المشهد شيء، إلا أن أحدهم يقول إن القرار من شأنه أن يقلل من عدد أشقاء المسؤولين في سودان الكرامة، بالإشارة لما تقوم به شقيقتها من تجاوزات في الحقل العام، وما أكثر الأشقاء المتجاوزين في سودان الحرب والشقاق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *