معلومات التواصل

السودان،الخرطوم،الرياض

متواجدون على مدار الساعة

الغناء في الفراغ: أبو عركي البخيت والاستقلال في زمن الحرب

محمد عبد الرحمن – استقصائي

قراءة في مشهد غناء أبو عركي البخيت منفردًا في المسرح القومي، بوصفه سؤالًا مفتوحًا عن معنى الاستقلال السوداني في زمن الحرب والتشظي.

(عزف ديمتري شوستاكوفيتش سيمفونيته السابعة، المعروفة بـ”لينينغراد المحاصرة”، أثناء الحصار النازي الذي استمر من 1941 إلى 1944، بينما كان بعض العازفين يموتون جوعًا. تجسد هذه السيمفونية الملحمية صمود المدينة وشعبها في ظل ظروف قاسية، حيث تسبب الحصار في وفاة مئات الآلاف من المدنيين، وأصبحت رمزًا عالميًا للصمود.) صورة ديميتري

مشهد لا يشبه الاحتفالات

في بلد أنهكته حرب دامت أكثر من عامين، وتشظى شعبه بين معسكرات النزوح، ومخيمات اللجوء، والخراب، يصعد فنان سبعيني إلى خشبة المسرح القومي في أم درمان، في عيد الاستقلال السبعين للسودان، ويغني وحده. لا جمهور، لا تصفيق، لا فرح جماعي، ولا وطن كامل.

هذا المشهد، على بساطته الظاهرية، يختزل عمق المأساة السودانية الراهنة. إن غناء أبو عركي البخيت في مسرح فارغ ليس مجرد أداء فني، بل بيان أخلاقي وشهادة حية على واقع مأزوم، وسؤال مفتوح عن معنى الاستقلال ذاته حين تفرغ الدولة من حضور شعبها، وحين تتشظى الجماعة التي يفترض أن تحتفل وتشارك الفرح.

في هذه اللحظة، يتحول الصوت إلى فعل مقاومة للعدم، ويدعو إلى تأمل طبيعة الحرية والاستقلال في بلد يعاني من الحرب والفقدان، مؤكدًا أن الفن يمكن أن يظل صامدًا وشاهدًا، حتى حين يغيب الجمهور، وحتى حين ينهار الوطن من حوله.

 

المسرح القومي: رمز الدولة حين يفرغ من أهله ومن ذاكرته

يقع المسرح القومي السوداني في شارع النيل بمدينة أم درمان، بالقرب من مبنى الإذاعة والتلفزيون القومي. وضع حجر أساسه في أواخر خمسينيات القرن الماضي، وأنشئ رسميًا عام 1959، قبل أن تبدأ مواسمه الفنية المنتظمة عام 1967، ليغدو أحد أبرز معالم الدولة الوطنية الحديثة، وواجهةً للحياة الثقافية في السودان.

لم يكن المسرح القومي مجرد مبنى للعروض الفنية، بل كان المؤسسة المركزية التي تشكلت داخلها التجربة المسرحية والغنائية السودانية. فيه قدمت معظم الأعمال السودانية الكبرى لأول مرة، واحتضن مهرجانات الإذاعة والتلفزيون، وكان المقصد الأول للفنانين والمسرحيين السودانيين، كما استضاف أسماء فنية أجنبية بارزة، غنت على خشبته. بهذا المعنى، كان المسرح جزءًا حيًا من صناعة الثقافة، لا مجرد مساحة عرض.

على مدى عقود، تداخل المسرح مع نسيج المدينة، وأصبح ملمحًا ثابتًا من ملامح أم درمان. كان جمهوره متنوعًا، يأتي من مختلف الفئات والأعمار، كما امتد تأثيره خارج العاصمة، عبر عروض وأسئلة وقيم ساهمت في تشكيل الوعي العام، وفي إدخال الفن إلى قلب النقاش الاجتماعي والسياسي.

غير أن الحرب لم تكتفي بتفريغ المسرح من جمهوره، بل طالت المكان ذاته. تعرض المسرح القومي للتدمير والنهب، وتحول من رمز ثقافي حي إلى فضاء متضرر، جُرد من محتواه ومن دوره ومن ذاكرته. لم يعد الخراب تفصيلًا عابرًا، بل جزءًا من منطق الحرب نفسه: استهداف ما يجمع الناس، وما يمنحهم إحساسًا بالاستمرارية والانتماء.

حين يُفرغ المسرح من رواده، لا يعبر هذا الفراغ عن غياب جمهور فحسب، بل عن غياب الوطن بوصفه فضاءً مشتركًا. فالسودانيون الذين كان يفترض أن يملأوا المقاعد، موزعون اليوم بين مدن مدمرة، ومخيمات نزوح ولجوء. هكذا يصبح المسرح الفارغ صورة مكثفة لوطن أفرغ من ناسه، وتعرضت ذاكرته الثقافية للتشظي.

في هذا السياق، لا يعود الغناء ترفًا أو طقسًا احتفاليًا، بل يتحول إلى فعل مقاومة رمزية. أن يغنى في مكان صُمم ليكون جماعيًا، بينما الجماعة غائبة والمكان مثخن بالجراح، هو اعتراف بحجم الكارثة، ورفض صامت لتحويل الصمت والخراب إلى نهاية نهائية. هنا، يصبح الصوت محاولة أخيرة للإمساك بما تبقى من المعنى.

 

أبو عركي البخيت: صوت الفن في زمن الأزمات

يصعب فصل مشهد غناء أبو عركي البخيت في المسرح القومي عن مسيرته الفنية الطويلة. على مدار عقود، قدم أعمالًا ارتبطت بقضايا الإنسان العادي، بالحرية، والعدالة، والكرامة، بعيدًا عن الأدوار الرسمية أو المناسباتية. يركز أبو عركي في فنه على التعبير عن تجارب الناس اليومية، وطرح أسئلة عن الاستقلال والوجود في ظل ظروف صعبة، ما يجعله صوتًا مرتبطًا بالذاكرة الثقافية والوعي الجماعي أكثر من كونه مجرد أداء احتفالي.

حين يغني أبو عركي وحده، فإننا لا نرى فنانًا يؤدي واجبًا احتفاليًا، بل ضميرًا وطنيًا يرفض الغياب الكامل. كأنه يقول: حتى لو انهارت الدولة، وتكسرت السياسة، وتشتت الناس، فإن هناك من سيبقى ليحرس المعنى.

 

عيد الاستقلال: من الاحتفال إلى السؤال

أعلن السودان استقلاله قبل سبعين عامًا، لكن التجربة الوطنية لم تنجح في بناء دولة تلبي طموحات شعوبها، إذ عاشت تحت ظل انقلابات عسكرية وأنظمة دكتاتورية، وحروب وانقسامات، وصولًا إلى الحرب الأوسع منذ 15 أبريل 2023، التي تسببت في أكبر موجة من التشريد والدمار في تاريخ البلاد الحديث.

كان من المفترض أن يكون عيد الاستقلال مناسبة للاحتفال بالتحرر من الاستعمار وببناء الدولة الوطنية. لكن مشهد غناء أبو عركي البخيت في المسرح القومي الفارغ يفضح المفارقة المؤلمة: ماذا بقي من هذا الاستقلال بعد عقود من الانقلابات، والحروب، والانقسامات، وانهيار العقد الاجتماعي؟

في هذا اليوم، لا يحتفل أبو عركي، بل يطرح سؤالًا. سؤاله ليس صاخبًا، ولا شعاريًا، بل حزينًا وعميقًا: هل الاستقلال حدث وقع وانتهى، أم مشروع لم ننجزه بعد؟ وهل يمكن الاحتفال بالاستقلال بينما الوطن نفسه لا يزال أسير العنف والفوضى، ومحرومًا من العدالة والاستقرار؟

 

الغناء بلا جمهور: مخاطبة الغائبين

على خشبة المسرح، اختار أبو عركي البخيت أن يغني أغنية “واحشني“، التي كانت تُغنى للحبيبة في زمن السعادة الفردية، لكنها اليوم تغيرت دلالتها وصارت تُغنى للسودانيين الذين تشردوا وفقدوا، تعبيرًا عن الوحشة والفقدان، كما عبر عن ذلك أبو عركي بنفسه.

الجمهور الحقيقي لهذا الغناء ليس أولئك الذين كان يمكن أن يجلسوا في المقاعد، بل أولئك الذين لا يستطيعون الحضور، اللاجئون، النازحون، المفقودون، والقتلى. في هذه اللحظة، يصبح المسرح وسيطًا وليس مجرد مكان؛ منصة لنداء يتجاوز الحدود، والمعسكرات، والشاشات، ليصبح الغناء رسالة قوية نحن نتذكركم، ونغني باسمكم، ونرفض أن يتحول غيابكم إلى نسيان.

في هذا المسرح الذي أفرغته الحرب من جمهوره ومن أي حضور فعلي، يقف أبو عركي بمفرده، ليحول الصوت الفردي إلى شهادة على الحزن الجماعي، وصرخة حية في وجه الحرب، وفعل مقاومة للعدم. الصوت الذي يملأ المكان وحده يعيد إحياء صدى الماضي الثقافي ويستحضر اللحظات التي شهد فيها المسرح حضور قامات عالمية، من لويس أرمسترونغ إلى مريم ماكيبا وملك العود فريد الأطرش، ليصبح صوت الفنان صرخة فردية تعبر عن ألم شعب بأكمله.

 

مقارنات إنسانية: حين يغني الفن في زمن الخراب

ديمتري شوستاكوفيتش _ لينينغراد المحاصرة

عزف ديمتري شوستاكوفيتش سيمفونيته السابعة، المعروفة بـ”لينينغراد المحاصرة”، أثناء الحصار النازي الذي استمر من 1941 إلى 1944، بينما كان بعض العازفين يموتون جوعًا. تجسد هذه السيمفونية الملحمية صمود المدينة وشعبها في ظل ظروف قاسية، حيث تسبب الحصار في وفاة مئات الآلاف من المدنيين، وأصبحت رمزًا عالميًا للصمود.

تعكس السيمفونية الألم والصمود والانتصار، وألهمت الروس وأصبحت جزءًا من تراثهم الثقافي. تُعد “سيمفونية لينينغراد” شهادة موسيقية على واحدة من أفظع الكوارث الإنسانية وتجسيدًا لقوة الفن كأداة للمقاومة.

يشترك هذا المشهد مع غناء أبو عركي في المسرح القومي الفارغ في الإصرار على الفن وسط الدمار، حيث يتحول الصوت إلى شهادة حية على الإنسانية ويستمر رغم الظروف القاسية. هناك كان الجمهور محاصرًا داخل المدينة، وهنا جمهور مشرد وغائب خارج المكان. الفن هنا لا يكتفي بإرسال رسالة، بل يتحول إلى فعل حي من المقاومة، يذكر بأن الصوت والوجود الإنساني لا يقهران حتى في أحلك أوقات الحرب والخراب.

ديمتري شوستاكوفيتش – روسيا

موسيقي في لينينغراد المحاصرة

 

فيكتور خارا – تشيلي

غنى للحرية والعدالة الاجتماعية، واعتقل بعد انقلاب بينوشيه عام 1973. وفي أيامه الأخيرة، غنى في ملعب تحول إلى فضاء مرعب، خالي من الفرح وممتلئ بالخوف، قبل اغتياله. وعلى الرغم من إحراق معظم تسجيلاته الأصلية من قبل النظام العسكري، غير أن إرثه المحفوظ أصبح رمزًا عالميًا للمقاومة الفنية، وهو ما انعكس حتى في تسمية كويكب 2644 Victor Jara باسمه، من قبل عالم الفلك السوفيتي/الروسي نيكولاي ستيبانوفيتش تشيرنيخ ، تكريمًا لحياته وفنه. هذه التقديرات العلمية تؤكد بُعد تأثيره الفني، حيث ألهم إرثه علماء و فنانين عالميين وأكد أن الفن يمكن أن يكون شهادة أخلاقية في مواجهة العنف. يشبه هذا المشهد غناء أبو عركي في مسرح فارغ: الفن هنا فعل مقاومة أخلاقية، والغناء شهادة لا ترفيه، وفنان أعزل يقف في مواجهة العنف.

 فيكتور خارا_ تشيلي

فنان تشيلي رمز المقاومة الفنية

 

فريدريك شوبان – بولندا (المنفى)

ألّف موسيقاه بعيدًا عن وطنه المحتل، وعزفت أعماله في قاعات أوروبية كان جمهورها الحقيقي بولندا الغائبة. في أواخر عام 1830، خلال الانتفاضة البولندية ضد الحكم الروسي، لم يشارك شوبان في القتال المباشر، لكن أخبار قمع الانتفاضة أثرت فيه بعمق، وجعلته لاجئًا سياسيًا في باريس، مما أثر على موسيقاه. حول شوبان رقصات بولندية تقليدية إلى أعمال فنية تعبر عن الهوية البولندية، الشجاعة، والتوق إلى الحرية، لتصبح رمزًا للمقاومة الثقافية في وجه القمع. موسيقاه، خاصة في فترات النضال، جسدت روح بولندا المضطهدة وتطلعات شعبها، حتى وهو بعيد جغرافيًا، وأصبحت أعماله الحزينة والمفعمة بالعاطفة صدى لمعاناة وطنه، وجعلته أيقونة للمقاومة الوطنية البولندية في المنفى. يشترك مع أبو عركي في مخاطبة وطن غير حاضر، وفي جعل الفن حاملًا للهوية حين تغيب الوطن، غير أن شوبان عاش منفى جغرافي، بينما يعيش أبو عركي منفى داخليًا داخل وطنه نفسه.

فريدريك شوبان_ بولندا

الموسيقي البولندي في المنفى

 

 

إبراهيم أغ الحبيب – الطوارق والصوت المقاوم

نشأ إبراهيم أغ الحبيب في صحراء شمال مالي وسط صراعات الطوارق، حيث عايش النزوح والحروب منذ صغره. قبل أن يتحول إلى فنان، شارك في المقاومة المسلحة للطوارق، لكنه اختار لاحقًا الجيتار كـ«سلاح» للتعبير عن قضية شعبه. أسس فرقة تيناروين (Tinariwen) التي أصبحت رائدة عالميًا في موسيقى بلوز الصحراء، مزيج الأغاني التقليدية للطوارق مع إيقاعات البلوز الغربية، لتصبح منصة فنية للمقاومة، تتناول الحرية، المنفى، الهوية، ومعاناة الشعب الصحراوي، وتوثق ذاكرة جماعية عاشها الطوارق لعقود.

تشترك تجربة إبراهيم أغ الحبيب مع غناء أبو عركي البخيت في المسرح القومي الفارغ في عناصر عدة: مواجهة غياب الجمهور، تحويل الصوت الفردي إلى شهادة على استمرار الثقافة والهوية، وفعل مقاومة للخراب والحرب. في كلتا الحالتين، يصبح الأداء الفني جسرًا للغائبين، صرخة في وجه العنف، ورسالة أخلاقية وسياسية، تثبت أن الفن قادر على أن يكون حارسًا للذاكرة الإنسانية حتى في أحلك الظروف.

 

إبراهيم أغ الحبيب_ فنان الطوارق وقائد فرقة تناروين، استخدم موسيقى البلوز الصحراوي كصوت للمقاومة الثقافية والتعبير عن الحرية والمنفى والهوية.

يتضح من هذه التجارب أن الفن في أصعب الظروف يمكن أن يتحول إلى صوت ضد العنف، وإعلان وجود، وشهادة على الإنسان. في كل حالة، واجه الفنان غياب الجمهور أو تهديد حياته، ومع ذلك استمر في أداء واجبه الأخلاقي والفني، محافظًا على رسالة الفن كضمانة للكرامة والذاكرة.

في السودان اليوم، يقف أبو عركي البخيت على خشبة المسرح القومي، حيث المقاعد فارغة، والجمهور مشتت بين مخيمات النزوح واللجوء والمدن المدمرة. المشهد يتكرر، لكن في سياق سوداني فريد: الوطن حاضر، لكن الناس غائبون، ويصبح الصوت الفردي جسرًا للغائبين، وصرخة في وجه الخراب، وشهادة حية على استمرار الإنسانية.

بهذا المعنى، تجربة أبو عركي ليست مجرد أداء منفصل؛ إنها امتداد طبيعي لتاريخ المقاومة الفنية العالمية، لكنها تحتفظ بخصوصيتها السودانية، حيث يتحول المسرح القومي إلى مساحة لمقاومة العدم، وحفظ المعنى، وإيصال رسالة مفادها أن الصوت والوجود الإنساني لا يُقهران حتى في أحلك أوقات الحرب والفقدان.

 

ما الذي يبقى؟

في النهاية، لا يقدم هذا المشهد إجابات جاهزة، بل يتركنا أمام سؤال ثقيل: ما الذي يبقى من الوطن حين يغيب أهله؟ ربما لا يبقى سوى الصوت، والذاكرة، والفعل الرمزي العنيد.

أن يغني أبو عركي البخيت وحده في المسرح القومي، في عيد الاستقلال، هو اعتراف بالهزيمة، لكنه أيضًا رفض للاستسلام. هو حزن نبيل، ووعد صامت بأن السودان، مهما تكسر، لم يفقد صوته بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *