معلومات التواصل

السودان،الخرطوم،الرياض

متواجدون على مدار الساعة

ماتت بلقيس .. وبقي السؤال: كيف يشيّع السودان مبدعيه؟

تقرير – استقصائي

في دنقلا، أقصى شمال السودان، وبمستشفى الشرطة بالمدينة، رحلت صباح اليوم الممثلة والدرامية السودانية بلقيس عوض، لتُسدل برحيلها ستار العمر عن سيدةٍ وُلدت في الخرطوم عام 1946، وتغلق بموتها «دفتر» التلاوم المفتوح حول دور المؤسسات الثقافية في رعاية المبدعين، وتطوي معها صفحة مؤلمة في كراسة السؤال المزمن: ماذا قدمنا لأناسٍ لم يبخلوا في حياتهم بشيءٍ يجعل حياة السودانيين محتملة؟

 

ماتت بلقيس عوض في دنقلا، المدينة التي لجأت إليها هرباً من الموت حين اشتعلت الحرب في الخرطوم، فغادرت العاصمة مكرهة، لتسلم الروح بعيداً عن المسارح والاستديوهات التي عرفت صوتها وملامحها. رحلت وهي صاحبة السبق في كونها أول ضابطة جمارك في السودان، وخريجة علم النفس والاجتماع من جامعة القاهرة فرع الخرطوم، جامعةً بين صرامة الوظيفة وشفافية الإبداع.

 

بلقيس عوض الركابي ولجت عالم المسرح والتلفزيون والإذاعة منذ ستينات القرن الماضي، عبر «الحيشان الثلاثة»، وظلت رقماً صعب التجاوز في خارطة الإبداع السوداني، سواء من خلال أعمالها الكبيرة التي قدمتها، أو عبر صوتها الذي كان ينساب من خلف موجات إذاعة هنا أم درمان، حاملاً الدفء والمعنى والصدق.

 

في دنقلا، رافقت بلقيس أوجاعها وأمراضها، كما رافقها هوان المبدعين على حكوماتهم، إلى أن هزّت صورةٌ لها نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي أركان الحكومة، ليتحرك عدد من المسؤولين ويقوموا بزيارتها، في مشهدٍ متأخرٍ لا يبدد مرارة الإهمال.

 

شاركت الراحلة في عددٍ من الأعمال الدرامية، من بينها «أقمار الضواحي»، «آخر قطار»، «سكة الخطر»، و«بنت المدير»، قبل أن يحملها قطر الحرب نحو الشمال، حيث أسلمت الروح لبارئها في صمتٍ يشبه صمت الكبار.

 

وتبقى المفارقة أن آخر عمل شاركت فيه بلقيس عوض كان مسلسل «سكة ضياع»، وكأنها اختارت في آخر مشوارها أن تكتب ملخص حياة المبدع في بلادٍ يقتتل فيها الجميع من أجل كرسي للحكم، كرسي لا يوفر للطفل مدرسة، ولا للمريض مشفى، ويعجز عن أن يوفر للجائع طعاماً وللعطشان جرعة ماء، في بلد «النيلين».

 

رحلت بلقيس، التي كان عمرها في المسرح وخلف كاميرات التلفزيون وميكرفون الإذاعة أكبر من عمر من يشغل منصب وزير الثقافة في حكومة «أمل» البل، لكنها رحلت مثل كثير من المبدعين، بتداعيات الحرب وبالإهمال. ولم يبقَ في عزاء من أحبوها سوى الاعتراف بأنها أدت دورها كما ينبغي، فيما ظل «العزاء» الرسمي ينتهي عند وزارة الثقافة بانتهاء مراسم الدفن، أو ببيان مكتوب بلغة باردة وباهتة، تشبه واقع سلطة الحرب ووزارة الإعيسر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *