معلومات التواصل

السودان،الخرطوم،الرياض

متواجدون على مدار الساعة

 الله يديك البركة ما تكتلني والفشل في حفظ الحياة

استقصائي – تقارير

في الفاشر، حيث الموت هو الشيء الوحيد المتاح بالقصف أو رصاصة طائشة تخترق القلب، يظل الجوع حاضراً. لا يهم من تكون، المهم أنك أداة لتشغيل “البندق”. في فاشر الموت، تكون الإجابة على الرجاء سبع رصاصات. القاتل منسوب لقوات الدعم السريع وكأنه يخوض معركة أخرى، مفادها إثبات استحالة دخول جنجويدي ملكوت الله.
جريمة جديدة تضاف لجرائم قوات الدعم السريع تابعها السودانيون والعالم عبر الهواتف، بمشهد قتل يوثق بشاعة الانتهاكات. المواطن أحمد، صاحب مطعم بالفاشر، تمت تصفيته بدم بارد بواسطة أحد أفراد الدعم السريع المستمتع بالقتل والتوثيق معاً. لم يستجب القاتل لتوسلات أحمد: “الله يديك البركة ما تكتلني، أنا مواطن بسيط، لا علاقة لي بالفرقة”. آخر ما ردده الضحية كان تحديد مكونه القبلي، مبرراً كافياً ليموت في سبيل “التأسيس” الجديد وفق منطق القاتل. دم أحمد المسفوح تحول سريعاً لوقود جديد لتعميق الاستقطاب بين طرفي الحرب، مؤكداً همجية الدعم السريع المتجذرة منذ التأسيس.
هذه الهمجية لم تولد مع حرب الكرامة، بل هي سمة ملازمة للجنجويد، وبندقية محشوة بانتهاكات متكررة تستهدف المدنيين الضعفاء. بينما يوظف خصوم الدعم السريع جريمة الاغتيال لإثبات تورطه، يرد “الدعامة” بنفس الأسلوب القديم: تعليقها على “الطرف الثالث”. منذ جريمة فض الاعتصام ظل “الطرف الثالث” شماعة جاهزة لتبرير جرائم الدعم السريع وكذبه المفضوح في مسار التبريرات. المفارقة أن “الطرف الثالث” لم يستخدمه الدعم السريع وحده، بل أصبح سلوكاً رسمياً مارسته السلطات حتى في سبتمبر.
حينها، كان الدعم السريع يخدم السلطة نفسها التي يحاربها اليوم باسم “الكرامة”. سلاحه كان أداة قتل صغار المحتجين. ولنفترض أن رواية “الطرف المدسوس” صحيحة، فهل نصدقها أيضاً في ود النورة، الصالحة، والجزيرة؟ وأين إحصاءات الضحايا؟
لا توجد حتى إحصاءات تقريبية عن المدنيين الذين سقطوا برصاص الدعم السريع أو عن ضحايا الجيش المقاتلين معهم جنباً لجنب.
الفيديو الذي وثق قتل مواطن أعزل بالفاشر يكشف أن الجريمة ليست حادثاً معزولاً بل جريمة حرب ضد الإنسانية مكتملة الأركان. التجمع الاتحادي ندد وأدان الجريمة، محذراً من أن مثل هذه الأفعال تهدد السلم الأهلي، مطالباً بالتحقيق والمحاسبة الفورية. الفيديو ليس إلا رأس جبل جليد الانتهاكات بحق المدنيين. ما خفي وراء الأبواب المغلقة أعظم مما ظهر في المشاهد الموثقة. التوثيق الشخصي للفعل أظهر أن القتل تم مع سبق الإصرار والترصد، والرغبة الواضحة في إزهاق الأرواح كجزء من النهج. لم يكن قتل أحمد مجرد تصفية لمواطن أعزل، بل تصفية لمشروع سياسي يزعم أصحابه بناء سودان جديد قائم على العدالة. المفارقة أن ذات القوات التي تتحدث عن “السلام والوحدة” هي التي ترتكب المجازر بحق المدنيين الأبرياء وتغرق في الصمت.
ترى كم أحمد ردد العبارة “الله يديك العافية ما تكتلني” أمام جندي مشهراً الموت في وجهه بلا رحمة ولا وازع؟ ترى كم قتيل سقط فقط لأنه أعزل؟ وكم “بركة” غادرت السودان منذ أن دخلت الحرب وعبثها حياة السودانيين؟ إلى متى يظل السؤال ماثلاً: كم ضحية تنتظر ذات الجنود لوضع نهاية لحياتها فيما الناس يعجزون حتى عن مشاهدة الفيديو؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *