هل تكفي إحالة خمسة ضباط إسلاميين؟
تقارير – مصعب محمد علي
أصدر قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، السبت، قرارًا بإحالة خمسة من الضباط البارزين المحسوبين على الحركة الإسلامية إلى التقاعد، بينهم قائد سلاح المدرعات اللواء نصر الدين عبد الفتاح. الخطوة اعتُبرت مؤشرًا على صراع نفوذ داخل المؤسسة العسكرية التي تمزقها الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين.
القائمة شملت اللواء ركن حسن بلال، واللواء ركن محمد عبد الله الفكي، واللواء ركن مأمون عبد الرؤوف، واللواء ركن ربيع عبد الله. جميعهم معروفون بانتمائهم إلى الحركة الإسلامية التي مثّلت لعقود الرافعة السياسية والعقائدية داخل الجيش. كما أصدر البرهان قرارًا آخر بإخضاع القوات المساندة لقانون القوات المسلحة، في محاولة لفرض مركزية أكبر على التشكيلات شبه النظامية التي ظهرت خلال الحرب.
قرارات مثيرة للجدل
لم تكن هذه الخطوة الأولى من نوعها. فقد سبق للبرهان أن أبعد ضباطًا محسوبين على الإسلاميين، لكن تاريخه الملتبس وعلاقته القديمة بالحركة تجعل أي قرار من هذا النوع موضع شك. فالبرهان نفسه تدرج في الجيش عبر منظومة أسسها الرئيس السابق عمر البشير بعد انقلاب 1989، وظل يُنظر إليه كأحد ضباط الإنقاذ.
يرى محللون أن البرهان اعتاد اتخاذ قرارات مفاجئة، غالبًا ما تأتي بعكس المتوقع. وبينما ينظر إليه خصوم الإسلاميين كجزء من المنظومة القديمة، لم يتردد في التضحية بعدد من رموزها كلما اقتضت الحاجة لإرسال إشارات سياسية أو لكسب دعم خارجي.
بين الداخل والخارج
محليًا، يُقرأ القرار كخطوة لإعادة موازنة النفوذ داخل الجيش وإبعاد شخصيات قد تشكل مراكز قوى مستقلة. أما خارجيًا، فيبدو أنه محاولة لطمأنة أطراف إقليمية ودولية تخشى من استمرار هيمنة الإسلاميين داخل المؤسسة العسكرية.
لكن هذه التحركات لا تبدو كافية لإحداث تغيير جذري. فالحركة الإسلامية ما زالت متغلغلة في مفاصل الجيش والدولة، وتملك شبكات اقتصادية وأمنية يصعب تفكيكها عبر قرارات إدارية محدودة.
ردود الفعل المحتملة
من المرجح أن تلقى الخطوة ترحيبًا نسبيًا من بعض القوى المدنية المناهضة للإسلاميين. في المقابل، ستثير غضب تيار الحركة الذي يرى في البرهان “ابنًا عاقًا” يضحي برفاق الأمس من أجل تثبيت سلطته. وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، يتوقع أن تنقسم التعليقات بين من يعتبر القرار بداية لتطهير الجيش من الإسلاميين، ومن يراه مجرد مناورة جديدة من قائد اعتاد اللعب على كل الحبال.
تلاعب البرهان
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، ظهر البرهان كقائد يتحرك بتكتيك اللحظة؛ يطلق وعودًا بالتفاوض تارة، ويتحدث عن الحسم العسكري تارة أخرى، بينما يبدل تحالفاته تبعًا لموازين القوى. هذا التذبذب يجعل قراراته أقرب إلى استراتيجية بقاء مفتوحة على كل الاحتمالات، أكثر من كونها توجهًا ثابتًا.
هل تكفي الإحالة؟
إحالة خمسة ضباط كبار خطوة ذات رمزية، لكنها غير كافية لإنهاء نفوذ الحركة الإسلامية داخل الجيش. فالشبكة زرعت كوادرها في الرتب الوسطى والصغرى منذ عقود، وارتبطت بمصالح مالية وسياسية واسعة. ما يعني أن الفراغ قد يملؤه ضباط آخرون من التيار ذاته.
وعلى الرغم من أن القرار قد يبدو محاولة لتقليم أظافر الإسلاميين، فإن انعدام الثقة في المنظومة العسكرية يجعل كثيرين ينظرون إليه كمناورة أكثر من كونه إصلاحًا حقيقيًا. خاصة أن اللجنة الأمنية التي تحكم منذ سقوط البشير ما تزال تضم رموزًا بارزة من النظام السابق، وتتحمل جانبًا كبيرًا من مسؤولية الانهيار الحالي.
وبينما يستمر القتال بلا أفق، تبقى هذه القرارات أقرب إلى إعادة توزيع النفوذ داخل المنظومة ذاتها، أكثر من كونها قطيعة استراتيجية مع الإسلاميين.