معلومات التواصل

السودان،الخرطوم،الرياض

متواجدون على مدار الساعة

“بقال” في حضن وطن يضيق بالجميع

تقرير – استقصائي

في وطن تتقاذفه المحن ويدفن شعبه تحت أمواج الموت بالحرب أو الحميات أو العطش والغرق.
ينام على الأسى ويصحو على الفجيعة. يحتضن الناس في لياليه المظلمة صبرهم، وهم يلوكون سؤالهم المر: ما معنى كلمة “وطن”؟
سيقولون: هو البيت، ورائحة الخبز، والسماء الأولى. ثم يسألون: هل تسع كلمة من ثلاثة حروف لكل هذا وتضيق بنا؟ في بلاد تضيق جغرافيتها بسبب الحرب، يبشركم من منفاه بمصر قائد مليشيا البراءة، المصباح طلحة، بعودة “بقال” إلى حضن الوطن.
لا يبدو إعلان عودة بقال على لسان المصباح مدهشاً لمن يتابع الحرب السودانية.
خيوطها تتكشف كل يوم لتؤكد نتيجة واحدة: إنها حرب انتقام الكيزان من شعب أسقطهم بالثورة. الفرق بين المصباح وبقال فرق في الدرجة لا في النوع. بعيداً عن التأويلات، يبقى السؤال عن مصير بقال وطريق وصوله للوطن بعد أخبار توقيفه في تشاد.
ويمتد السؤال: ما هي السلطات التي تمنح المصباح حق العفو عمن أغرق شعباً في ظلام الانتهاكات؟ وأي سلطة تسمح له بفتح أبواب الوطن وأحضانه لبقال ؟. بينما يتمدد سؤال آخر: أي حضن وطن ينتظر بقال؟ ما هو وكيف يبدو؟
أولاً، لن يعود بقال لحضن الوطن من قلب الخرطوم. العاصمة تم تخريبها عبر حرب بقال وإخوته بين “الكرامة والديمقراطية”. حضن الخرطوم ضاق بأهلها. ويتسع لهم الآن المرض والخوف والانفلات الأمني. المدينة التي لم تضق بسوداني يوماً، لم تعد شوارعها تتسع إلا لحملة الموت.
حملة يوزعون مشرطهم للفصل بين الجميع، ويصنعون قبلها تفرقة بين الشعب وثورته.
وقبل أن يعود بقال، الإسلاموي الضال، لحضن الوطن، سيتذكر له الناس فيديوهاته عند خراب مطار الخرطوم. هناك اشتعل الموت السوداني ذات صباح. هب أن بقال سيعود عبر البحر.
فكيف حال من هم في حضن الوطن بالعاصمة المؤقتة بورتسودان؟
بالنسبة للبعض، ما يجري في الخرطوم أخف وطأة مما يجري في بورتسودان.
هناك تدور معركة الصراع على الكراسي بأشدها. بورتسودان تحتضن الكيزان، وإن كان الكرسي يهتز تحتهم بشدة. لا أحد يمكنه التنبؤ بما قد يفعله البرهان، الذي قد يغدر بالإسلاميين قبل أن يجعلوه وجبة لعشائهم.
حضن الوطن في بورتسودان يضيق بصراع السلطة كما يضيق بالفساد المحروس بالبندقية.
يضيق أيضاً لأن كل طرف يجهز خنجره للإجهاز على حليفه.
ذلك هو الحضن الذي يليق بعودة بقال إليه. لكنها عودة ستجد أمامها تروس “البلابسة” أنصار الكرامة، وما أكثرهم في بورتسودان عاصمة الحرب.
قد يعود بقال من بوابتها. لكنه لن يجد حضن الوطن، بل سيجد بانتظاره حضن “التنظيم” عند إخوان الأمس، وحضن “القبيلة” المحروس ببنادق محاربة التهميش.
هناك، تُباع أوهام بناء وتحرير الوطن.
كان الحلم الديسمبري بناء وطن يحتضن أهله بعدالة. لكن من أجهضوا الحلم مدعومين بلايفات بقال، هم من يوظفون العدالة الآن لمشروع سلطوي.
يوظفونها لكسر شوكة ديسمبر وشبابها، ويجعلون من حراسها خدمًا في بلاط البرهان وصحبه. حضن الوطن يتحول لسجن كبير لشباب الثورة.
شباب يقبعون خلف القضبان بتهم “التعاون” مع الدعم السريع.
الحضن الواسع يطرح سؤالاً آخر: لماذا تصبح “إيوا” فتاة بحري متعاونة مع الدعم السريع قاتلة؟ بينما يتحول بقال، الذي كان مجرد ظِل للمليشيا، إلى “بطل”؟ وما أكثر من يشبهون “إيوا”، ممن منحهم الوطن حضن الأسى والمظالم.
عودة بقال لحضن الوطن تعيد طرح السؤال: هل يستطيع الرجل العودة من مدينة الفاشر؟ هناك، دشن صحافته “للاسترزاق” في زمان تسلط الكيزان. والسؤال قد يتجاوز بقال والي الخرطوم الإسفيري، ليطال حكام اليوم. مناوي، حليف الجيش الذي يحكم الفاشر من جولاته الأوروبية. والهادي إدريس، حليف المليشيا الذي يحكمها بفرمان حميدتي. من منهما يصل لحضن “فاشر السلطان” ليعتذر لشعبها، الذي تقتله مدافع التدوين وتجوعه الحصارات؟
شتان بين أن تسعى لحضن المسؤولية في حق الناس بالحياة، وبين أن تحتضن مصالحك الذاتية ولو بدم أهلك. عاد بقال أو لم يعد. تبقى الحقيقة واضحة: الوطن لم يعد هو الوطن.
الحضن الذي كنا نغنيه “من حلفا لنمولي ومن نمولي لحلفا مليون فرح” لم يعد هو نفسه السودان.
ضاقت فيه الجغرافيا، ولم يسعفه التاريخ المشترك للبقاء في محطاته القديمة.
ضاقت فيه حتى قلوب الناس. لم تعد تتسع لمشاركة الآخرين المكان.
ضاق المكان، وما يؤسف أن من تسببوا في هذا الضيق يحاولون جهدهم توسيع مقاعدهم في السلطة.
كرسي مصنوع من دم الناس وموضوع على قلوبهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *