بحيري حين يغرق القانون في وحل الفلول
تقرير – استقصائي
المفارقة وحدها هي من ترسم المشهد. ففي ذات المدينة، ود مدني، وقبل يومين فقط، نشر مناصرو ما يُسمّى بـ«حرب الكرامة» صورة للمليشياوي أبو عاقلة كيكل أمام مقر الفرقة الأولى، احتفاءً بمرور عام على «تحرير» المدينة من قوات الدعم السريع؛ تلك القوات التي اقتحمتها ذات يوم بقيادة الرجل المحتفى به نفسه.
وفي المدينة ذاتها، أصدرت محكمة الجنايات حكماً بالسجن المؤبد على الكاتب والمؤرخ خالد بحيري، بعد إدانته بتهمة التعاون مع مليشيا الدعم السريع أثناء فترة سيطرتها على المدينة، حين انسحب الجيش منها، مطارَداً باتهامات ترك المدنيين فريسة سائغة للمليشيات. يومها شُكّلت لجنة للتحقيق في انسحاب الفرقة الأولى، غير أن نتائجها لم تُعلن حتى اللحظة.
حين اجتاحت قوات الدعم السريع ولاية الجزيرة، اختار بحيري البقاء في منزله، وأسّس مبادرات طوعية لإسناد السكان العالقين وسط أتون المعارك في ود مدني، فوفّر الطعام ومياه الشرب، وأسهم في تقديم الخدمات العلاجية في زمنٍ عزّ فيه الغوث.
وفي الرابع عشر من يناير 2025، وبعد أيام قليلة من استعادة الجيش السيطرة على المدينة، اعتُقل بحيري من منزله بواسطة قوة من جهاز الأمن والمخابرات، وتعرّض للإخفاء القسري. وبعد ثلاثة أشهر، علمت أسرته باحتجازه في معتقل بالمناقل، قبل أن يُعاد إلى ود مدني مجدداً. ومع تصاعد الضغوط، قُدِّم إلى المحاكمة في أغسطس الماضي بتهمة التعاون مع الدعم السريع، لتنتهي المحاكمة بالحكم عليه بالسجن المؤبد.
يرى بعضهم أن بحيري لا يستحق المؤبد فحسب، بل ما هو أشد منه، بزعم أنه شغل منصب وزير الإعلام في سلطة الدعم السريع أثناء سيطرتها على ود مدني، وكان متعاوناً معها. بينما يرفض آخرون الحكم، مستندين إلى أن بحيري، في وقت فرّ فيه الجميع، تولّى جمع الجثث ودفنها، وأعاد فتح المستشفى وتشغيله، ووفّر العلاج للجرحى والمصابين ومرضى الكُلى، وأعاد المياه إلى المدينة، وأخرج العسكريين منها درءاً لقتلهم بدم بارد، ووزّع المواد التموينية على الأسر في منازلها، ووفّر الخدمات الأساسية لأهل مدني. تعامل مع المليشيا مضطراً ليخدم إنسان مدينته، وهادنها اتقاءً للموت، وقدم نفسه فداءً لدرء الشر عن المدينة وأهلها.
من لا يعرف خالد بحيري عن قرب، مهما سمع عن حبه لمدني وأهلها، لن يفهمه. فأي منطق، وأي دين، وأي عدل ذاك الذي يحاكم بالمؤبد من تعايش ليضمن لأهله البقاء على قيد الحياة، ويُكرّم في المقابل من قتل وحمل السلاح، ويُصنّف بطلاً؟
إن محاكمة بحيري بالمؤبد تعيد، في جوهرها، محاكمة مفهوم «التعاون» مع الدعم السريع ذاته، بوصفه حالةً قابلة للقياس من داخل مدني نفسها. فبأي مبررات تُفتح أبواب المدينة لاحتضان «كيكل» الذي قاد الجيوش، وتُفتح في المقابل أبواب السجون لبحيري؟ شتّان بين فعلٍ وفعل. وقد لا تقف المفارقة عند حدود مدني، بل تمتد إلى الخرطوم، حيث يستعد «بقال» للعودة، وهو الذي شغل منصب الوالي وكان يحمل سلاحه. ودعك من بقال، فحتى عبد اللطيف الأمين، رئيس الإدارة المدنية المعين لولاية الخرطوم، يجلس اليوم في منزله مكرّماً معززاً.
إن خالد بحيري، المحكوم بالمؤبد اليوم، هو أحد الذين واجهوا عسف سلطة الإنقاذ التي أنجبت الدعم السريع، وهو من المشاركين بفاعلية في مواكب رفض انقلاب العسكر، حين كان الدعم السريع يُقدَّم بوصفه جناحاً «ثورياً» من رحم الجيش. تلك المفارقة نفسها هي التي قادته إلى السجن المؤبد، وقدّمت الإجابة الموجعة على سؤال: حرب من؟
في حالة بحيري، لا تتجلّى التناقضات في تحديد من يُحاكم بتهمة التعاون فحسب، بل يتحول القانون ذاته إلى مطية، يستخدمها منسوبو النظام المعزول لتصفية حساباتهم، ويعتليها آخرون لتحقيق تطلعاتهم الذاتية. ويؤكد ذلك ما نشرته صحيفة «دروب» في نوفمبر الماضي، إذ أفادت بأن الاستخبارات العسكرية في ود مدني ألقت القبض على المتحري في قضية الكاتب والمؤرخ خالد بحيري، المعتقل لدى الجيش منذ عشرة أشهر، بعد العثور على مبالغ مالية طائلة في حسابه المصرفي، يُشتبه في جمعها من رشاوى تلقاها بحكم عمله في التحقيقات الشرطية مع متهمين في المدينة، وفق مصادر موثوقة للصحيفة.
وبحسب «دروب»، فإن أحد الشهود ضد بحيري، ويدعى «هـ، خ»، له سوابق إجرامية، وكان ضابطاً برتبة مقدم إبان سيطرة قوات الدعم السريع على ود مدني. وبعد دخول الجيش إلى المدينة، انضم إلى قوات درع السودان، التي فصلته لاحقاً، ليدّعي بعدها تبعيته للقوة المشتركة. وهو محتجز حالياً في سجن مدني، ينتظر المحاكمة، وقد عقدت معه الاستخبارات العسكرية صفقة مقابل الإدلاء بشهادة ضد خالد بحيري.
ذلك هو واقع من أصدروا الحكم على بحيري. وما خالد إلا رجل نصر شعبه في الجزيرة ومدني حين خذلهم جيشٌ كامل. استخدم حكمته ليؤوي الخائفين، ويداوي المرضى، ويسقي العطاشى. هذا هو البل الوحيد الذي يعرفه.
لم يهتف بحيري للمليشيا، لكنه تعامل معها بفقه الواقع لإنقاذ الناس والمرضى وتوفير المياه. لم يكن دليلاً لنهب البيوت، ولا مصدراً للمعلومات الاستخبارية. لقد كان إنساناً في زمن انعدمت فيه الإنسانية، ورجلاً حينما غابت الرجولة، وحكيماً حينما غابت الحكمة. أما من حاكموه، فكان منطقهم أن يموت الناس ليتاجروا بقضيتهم، بعد أن هربوا وأمّنوا أنفسهم وأسرهم،
وهنا لا يعود خالد بحيري مجرد متهمٍ في قفص الاتهام، بل يتحوّل، في ميزان التاريخ والضمير، إلى قاضٍ رمزيٍّ يحاكم من حاكموه. يقف شاهداً وحَكَماً، ويضعهم واحداً تلو الآخر في سجن تناقضاتهم المؤبد؛ ذاك السجن الذي لا تُفتح أبوابه بعفو، ولا تُخفف أحكامه بتبرير، لأن قضيته ليست نصاً قانونياً قابلاً للتأويل، بل حقيقة أخلاقية عارية. ففيما يُقيَّد بحيري بحكمٍ جائر، يظل حراً في معنى العدالة، بينما يُدان جلادوه بحكمٍ أبدي اسمه التناقض، لا فكاك منه ولا مهرب
