أسئلة البرهان “المسطحة”.. رسالة للأضعف
شوقي عبد العظيم

مع الوقت يتدرب شاغل المنصب العام على طريقة، ويصبح له أسلوب ولازمات تلازمه في الخطاب والحركة، ربما يساعده مستشاروه على ذلك، أو فقط جراء الممارسة والتعود، وخاصة في حال وجد شخص ما نفسه هكذا صدفة وقدراً شاغلاً لمنصب عام، كما حدث مع قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان.
تتبعت مؤخراً لازمة للبرهان شديدة الخطورة، اتخذها طريقة ومنهجاً يقاوم به معلومات وسرديات تدينه على مستوى إدارة الحرب وإدارة السياسية، وهي لازمة الأسئلة “المسطحة” التي يحرص البرهان على طرحها في خطاباته العامة.
هي مسطحة لأنها تُطلق في الهواء أمام حشد من الجمهور من قائد الجيش الممسك بزمام الأمور في الدولة، يطلقها ويعلم أن من يخاطبهم لا علم لهم بها، أو بالأحرى كان من الأولى أن يسألوه هم عنها وليس العكس. لكن البرهان يقلب الصورة بطريقة دراماتيكية هارباً للأمام من الأجوبة، أو من الأسئلة في حد ذاتها، لتبقى الأسئلة مسطحة في الهواء تنتظر استعدال الصورة بأن يوجه الناس (الرأي العام) الأسئلة للبرهان وينتظروا منه الإجابات الشفافة. ومخاطر استراتيجية البرهان في طرح الأسئلة “المسطحة” تكمن في أنه “يكسر الدش” في يد من تحدثه نفسه بالسؤال في المستقبل، لأن البرهان سأل والإجابة تاهت في حيرة القائد المصطنعة، التي يصدرها للجمهور ليغرق في حيرة أكثر عمقاً وإغلاقاً من حيرته المصطنعة. ودعونا سادتي أن نتخذ لذلك مثلاً.
الكل يذكر الأيام التي كان فيها البرهان محاصَراً في القيادة العامة، وقيادة الجيش تعمل في ظروف صعبة، وظهورها شحيح في الإعلام، وتأثيرها ضعيف على خطاب الحرب. في تلك الأيام انداح الفلول وسيطروا على رواية الحرب، وصوروا أنفسهم منقذين للشعب وللقوات المسلحة وقائدها المحاصر في القيادة. ويذكر الناس خطاب أحمد هارون، رئيس حزب المؤتمر الوطني المحلول، أول أيام الحرب الذي أكد فيه أنهم والقوات المسلحة توأمان سياميان لن ينفصلا، وأن الحرب حربهما معاً، للدرجة التي وجدت القوات المسلحة نفسها مضطرة لاستهجان خطاب أحمد هارون والتبرؤ منه ومن جماعته خوفاً من انفضاض الشارع من حولهم بعد جرائم “الثلاثين العجاف”، واستحواذ الفلول على رواية الحرب وظهورهم العلني في المشهد، مما دفع البرهان لطرح أول سؤال “مسطح” عندما خاطب جنوداً محاصرين معه داخل القيادة العامة يبدو على سحناتهم الرهق والإنهاك ومظاهر الحصار، قال لهم: “قالوا الجيش فيهو كيزان.. هسي في كيزان بيناتكم هنا؟” – الفيديو على النت – وأخذ يشير بيده نحوهم في الصفوف الأمامية والخلفية، ويكرر السؤال: “في كيزان هنا؟”، ويخيل إليَّ أن كل جندي من أولئك الحضور الجالسين على الأرض نظر في وجه أخيه يبحث إن كان هناك “كوز” بينهم أم لا، بعد أن ألقى عليهم قائدهم السؤال الوجودي: “في كيزان هنا؟”!.
بعدها درج البرهان على طرح السؤال على الجمهور والجنود والضباط وفي مناسبات العزاء وغيرها من المناسبات، بعد أن يضع أمام السؤال المقدمة المناسبة، ومن مثل ذلك: “قالوا الكيزان مسيطرين على الجيش وينن الكيزان؟ هسا في كيزان هنا؟” ويلتفت الجميع ويغرقون في الحيرة ولسان حالهم يقول: “من يسأل من يا برهان؟”.

كما أشرنا طريقة البرهان القائمة على طرح الأسئلة المسطحة خطيرة، فهي فعالة في إحداث حالة من الإرباك وتشويش الرأي العام، كيف لا والسؤال مطروح في الأصل لنفي واستنكار اتهامات جوهريه مرتبطة بإدارة السلطة والحرب. والمشكلة تكمن في أن السؤال الاستنكاري المطروح من قبل القائد من المفترض أن يقدم مداخل لتفسيرات حقيقية للمشهد، إلا أنه بدلاً من ذلك يقدم رواية منافية للواقع.
دعنا نستخدم هنا سؤال البرهان الشهير: “قالوا الدولة مسيطرين عليها الكيزان.. هم الكيزان وينن؟” ومعلوم أنهم وبالدليل القاطع الذي لا يحتاج “قومه نفس” مسيطرون على عصب الدولة الحساس وعلى وزارات رئيسية في الدولة. خذ مثلاً عبدالله محمد درف، وزير العدل في حكومة البرهان التي يسأل عن “كيزانها”، ودرف يا سادتي أبرز محطات سيرته الذاتية تقول إنه كان رئيس لجنة التشريع في برلمان ولاية كسلا بدرجة وزير عن الدائرة رقم (1) كسلا، وهو مرشح عن المؤتمر الوطني، كما عمل معتمداً لمحلية ريفي كسلا قبل أن يعيَّن وزيراً للصحة بالولاية. وهذه طريقة “الكيزان” في التغلب في المناصب من قانوني إلى وزير صحة لو كان يعلم البرهان، ولا حاجة لنا في الاستفاضة في أهمية منصب وزير العدل وبدعة انتهاك العدالة في الخصومة السياسية التي ابتدعها الإسلاميون في ضعضعة البنية السياسية في البلاد خلال سني حكمهم العجاف، والتي استفحلت بعد الحرب بعد أن اكتشفوا بعد كل ما فعلوه أن الأحزاب والقوى المدنية لا تزال باقية وفيها أمل.
وهاك مثالاً آخر للكيزان في حكومة البرهان وهي وزيرة شؤون مجلس الوزراء الدكتورة لمياء عبد الغفار. فوزيرة شؤون مجلس الوزراء هي الصوت الأخير في أذن رئيس الوزراء ومنقحة تقاريره وقرارته، ولمياء شغلت منصب الأمين العام للمجلس القومي للسكان من 2012 – 2019، وكانت كذلك رئيسة للآلية الوطنية للتنمية المستدامة، وأعتقد أن البرهان يعلم أن الآليات الوطنية في عهد سلفه البشير لا تسند إلا لـ(الوطنيين) من المؤتمر (الوطني) على حد زعمهم. وبعد اندلاع الحرب نشطت لمياء في منظمة “إسناد” التي تديرها أميرة الفاضل ويعاونها القيادي في المؤتمر الوطني المحلول كمال حسن علي ومقرها القاهرة، وأظن أن البرهان لو سأل دكتورة لمياء عبر سماعة الهاتف: “الكيزان وينن؟” لقالت له: “أنا”.
والأهم من ذلك الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل، مدير جهاز المخابرات العامة، وما أدراك ما جهاز المخابرات العامة الذي يعد ذراع الإسلاميين القوية في الحكم والسياسة خلال الثلاثين العجاف، ومفضل أيام البشير كان رئيس المؤتمر الوطني ووالي جنوب كردفان بين 2018- 2019، وقبلها وفي صدر سيرته الذاتية أنه عمل في الوكالة الإسلامية للإغاثة ثم منظمة الدعوة الإسلامية في نيالا ويوغندا وتنزانيا، وأسندت له إدارة المخابرات الخارجية والأمن الاقتصادي في حكومة “الكيزان”. كما أن مفضل عرف منذ أن كان طالباً في جامعة الزقازيق بمصر بانتمائه للحركة الإسلامية، ومع ذلك تجد البرهان يقف أمام الجماهير بعد أن يضع قناع الحيرة والاستنكار على وجهه ويسأل: “في كيزان هنا”.
الأسماء والمناصب التي وردت رغم أهميتها وحساسيتها مجرد نماذج في محاولة للإجابة على أحد الأسئلة المسطحة التي يطرحها البرهان. يذكر جميعكم ما فعله القاضي محمد علي محمد بابكر الشهير بـ”أبوسبيحة” ولجنته في إعادة “الكيزان” الذين فصلتهم لجنة إزالة التمكين إلى مناصبهم وأمر بتعويضهم عن شهور اتهامهم بالكوزنة وإيقافهم عن تقاضي أجر وظيفة حازوها بالتمكين، وهم الآن في جميع الوزارات والهيئات والمرافق الحكومية، يفعلون ما اعتادوا عليه خلال الثلاثين العجاف إلى أن خرج شباب السودان ورجاله ونساؤه وقتها إلى الشوارع هاتفين “سلمية سلمية ضد الحرامية” .
وفي حقيقة الأمر الدليل الأنصع الذي يؤكد أن لازمة البرهان في طرح الأسئلة المسطحة مقصودة ومرتبة لصالح الإرباك والتسطيح انظر إلى من هم حول البرهان من سماسرة وتجار ودلالين، تجدهم أصحاب الحظوة القدامى منذ عهد الكيزان، بل هم الكيزان شخصياً الذين يسأل عنهم البرهان. وقطعاً لا يمكن أن نتجاهل تصريحات الكيزان ليل نهار بقيادتهم للمعركة وأنهم من انتصروا على صنيعتهم قوات الدعم السريع، وكذلك قيادة علي كرتي وأحمد هارون للاستنفار وتصريحاتهم لوسائل الإعلام العالمية وترتيبهم للمشهد الحالي وسيطرتهم عليه، ومع ذلك يسأل البرهان: “الكيزان وينن؟” .

والبرهان في إطار استراتيجيات “التسطيح” في مطلع فبراير الحالي سأل المصلين في مسجد الشيخ الهدية في الكلاكلة سؤالاً أكثر تعقيداً من سؤال “الكيزان وينن؟” تحتاج الإجابة عليه إلى خبراء متخصصين تخصصاً دقيقاً ونادراً وهو سؤال: “هنا في كيماوي؟”، وقال البرهان لجمع من المصلين: “قالوا الجيش استخدم سلاح كيماوي في الحرب.. هسا الكيماوي وينو؟.. في كيماوي هنا؟”. وجاء سؤاله بعد أن طاح في القوى السياسية التي حذت حذوه في المطالبة بالتحقق والتحقيق قبل إدانة “منظمة حظر استخدام الأسلحة الكيميائية” الجيش بتهمة استخدامه للأسلحة الكيميائية في مناطق متفرقة في السودان خلال الحرب. وعندما تستمع للبرهان وتنظر إلى لغة الجسد التي يستخدمها حينما يطرح سؤاله الصعب على مصلين جاؤوا لسماع الموعظة الحسنة تجد نفسك مصدقاً للسؤال تتلفت يميناً ويساراً مع المتلفتين تبحث عن إجابة تفيد بها قائد الجيش عن سؤاله: “أين “الكيماوي”؟ وأول جهة اتهمت الجيش باستخدام السلاح الكيميائي هي الولايات المتحدة الأمريكية، وسأل عنه مستشار دونالد ترمب مسعد بولس البرهان شخصياً عنه. ولأجل الإجابة عليه كوَّن البرهان لجنة للتقصي والتحقيق، ولو كان البرهان جاداً في السؤال ولا يقصد التسطيح لكان تحرى الحقيقة وأخبر المصلين في مسجد الهدية بما خرجت به لجنة التحقيق التي كوَّنها بدلاً من أن يطرح عليهم سؤالاً “مسطحاً” يغرقهم في الحيرة والارتباك.

استراتيجية البرهان في الأسئلة المسطحة أراد بها إعادة تطويع الواقع وتنسيقه، بحيث يوفر له رواية يحافظ بها على مبررات استمرار الحرب ومن ثمة استمراره في السلطة، والأهم من ذلك يستعيض بها عن واجبه في تقديم إجابات في قضايا ملحة تخص حياة السودانيين وتؤثر في مستقبل بلادهم.
دفعني التفكر في أسئلة البرهان “المسطحة” إلى تخيل سيناريو يلعب دور البطولة فيه صحفي ينتقي سؤالاً من تلك الأسئلة يوجهه للبرهان: “أين الكيزان في الجيش والدولة؟” قطعاً ستكون إجابة السيد القائد: “موش كدا عليك الله؟.. الكيزان وينن؟”، أو “أنا ذاتي سألت السؤال ده مية مرة”.
في كثير من الأحيان يترصد الناس الأخبار المضللة أو الكاذبة ولكنهم يتجاهلون السرديات والروايات المضللة، وهي أكثر خطورة وتضليلاً للرأي العام، وخاصة للناس الضعفاء الذين لا تتوفر لهم معلومات جيدة باستمرار، ولا أدوات كافية للمقارنة والتمحيص وكشف الحقائق من الأكاذيب. واستراتيجية البرهان في طرح الأسئلة المسطحة حول القضايا المصيرية الكبرى استراتيجية فاعلة في تعميق السرديات المضللة والهروب من الأسئلة والأجوبة على حد سواء، وتنسيق واقع مربك باستمرار.
