معلومات التواصل

السودان،الخرطوم،الرياض

متواجدون على مدار الساعة

الملف الأسود لفساد السلطة القضائية
تقرير رقم (٦)

القاضي خليفة الله في الأرض الذي يجب أن يبسط العدل ويرفع الظلم، مهمته هذه ليست مهنة والسلام، بل هي مهنة ارتبطت بمعايش الخلق ونشر العدل وسط الناس لضمان استمرارية الاستقرار وعدم الاستعاضة بالقوة والعنف لاسترداد الحقوق. هذه المهنة السامية التي ضرب فيها قضاة السودان مثالاً للنزاهة والنقاء والشفافية في إرساء دولة القانون، تعاني منذ ثلاثة عقود من كبوة عظيمة ألمت بها بعد أن ركعتها عصابة المؤتمر الوطني لأجندتها الشخصية وجعلتها بيتاً من بيوت العنف والاستبداد بعد أن كانت أحد بيوت السلم والاستقرار.

لن أطيل الكتابة بالذي ألم بالسلطة القضائية، وسبق أن شرحت باستفاضة خطة المؤتمر الوطني في تركيع السلطة القضائية وفق أجندة الحزب وعملية التجريف التي تتم حتى الآن لأفضل قضاة السودان واستبدالهم بموالين للحركة الإسلامية.

في هذا التقرير سأواصل ما بدأته في التقارير السابقة، ولن يتوقف قلمي عن نشر وكشف الفساد داخل السلطات العدلية إلى أن يتم أملنا في إعادة تنشئتها وإصلاحها من جديد.

أولاً: (البرائيون والمستنفرون من القضاة هم الذين يتحكمون في مفاصل السلطة القضائية)

القاضي وائل وقيع الله هو رئيس القضاء الفعلي للسلطة القضائية بعد أن أوكلت له معظم أعمال رئيس القضاة القاضي عبدالعزيز فتح الرحمن. وهذا القاضي هو أحد عناصر كتيبة البراء بن مالك ومن الذين دخلوا القصر الجمهوري وهو يحمل السلاح ويرتدي البزة العسكرية، وهو حالياً المسيطر على الجهاز القضائي بولاية الخرطوم وصاحب الكلمة الأولى فيه بعد ترؤسه لكل التحقيقات ومجالس المحاسبة فيها، لأن قراراته بالفصل معدة سلفاً.

ومنذ بداية الحرب وحتى اليوم قام بإيقاف أكثر من ٩٣ قاضياً وفصل عدد غير معروف من القضاة لأسباب لا علاقة لها لا من بعيد ولا من قريب بقواعد السلوك. من أبرز القضاة الذين قام بفصلهم مؤخراً:
القاضي أيوب …، والقاضي أشرف عبدالوهاب، والقاضي محمد عزالدين.
كما أنه أحال القاضية تهاني الشيخ المطري للتحقيق بسبب مطالبتها بتحسين مرتبات القضاة وأوضاعهم المعيشية.

وفي هذا المقام دعوني أوضح الفرق بين الأعمال القضائية والسلوك.
إن لجان التفتيش التي تشكل داخل إدارة التفتيش وتحيل قاضياً ما للتحقيق عادة ما تفعل ذلك حينما تتشكل لديها بينات مبدئية بأن القاضي المقصود قد ارتكب أثناء المحاكمة أو خارج المحكمة سلوكاً يتنافى مع معايير العدالة والوجدان السليم في العموم، أو يشكل فعله مخالفة أو جريمة وفقاً للوائح الداخلية والقوانين الخاصة وقانون السلطة القضائية.
وذلك السلوك مثلاً كأن يرتشي القاضي أو يتحرش أو يقوم بممارسة أعمال تتنافى مع احترام المهنة….الخ.
فإن صدرت منه مثل هذه السلوكيات يحال فيها للتحقيق الذي يخلص إما بتبرئته أو إدانته وفصله من العمل.

أما الأعمال القضائية كصدور الأحكام وإجراءات تنفيذ الأحكام والمخاطبات لمصالح الأراضي وكل هذه الإجراءات، إن أخطأ فيها القاضي فمكان تصحيحها هو الاستئناف أو الطعن أو المراجعة، لأن أعمال القاضي عادة يفترض فيها بذل العناية اللازمة في فرض وجه العدالة وليس تحقيق النتيجة في إحقاق الحق نفسه من أول محاكمة، وإلا لماذا كانت المحاكم الأعلى درجة.

بعد هذا السرد المطول نعود لموضوع الفصل الذي تم لهؤلاء القضاة، وهو فصل تعسفي وكيدي بوجه باطل أريد به حق. فقد فصل القاضي (أيوب) من السلطة القضائية لأنه لم يستصدر قراراً ابتدائياً في تحويل سجل قطعة سكنية في قضية ينظرها.
أي فصل بسبب العمل القضائي مكان تصحيحه المحكمة الاستئنافية وليس سلوكاً شخصياً مكانته لجان المحاسبة والتفتيش.
وبنفس الطريقة تم فصل أشرف عبدالوهاب ومحمد عزالدين وآخرين.
وكذلك أحيلت القاضية تهاني للتحقيق تمهيداً لفصلها بسبب مطالبة مشروعة.

ثانياً: (أنواع القضاة حالياً بالسلطة القضائية)

رجوعاً لمطالبة القاضية تهاني بتحسين مرتبات القضاة، وددت أن أنور المواطن البسيط بأوضاع وأنواع القضاة داخل مباني السلطة القضائية حالياً ليعلم شكل الاختزال الرهيب لمعيار العدالة.

أ/ النوع الأول (القضاة المقربين والمرضي عنهم):
وهم فئة معينة ومحددة لا تدس أبداً انتماءها للحركة الإسلامية، أغلبها تم فصله بواسطة لجنة تفكيك التمكين سابقاً وتمت إعادتهم للخدمة بعد الانقلاب بواسطة قرارات القاضي أبو سبيحة. هذه المجموعة تنصاع انصياعاً تاماً لمطلوبات الحزب الذي عينها، أغلبهم مستنفرون ويرتدون الزي العسكري. والقضاة الذين يصدرون الأحكام في بلاغات المتعاونين يأخذون توجيهاتهم من الخلية الأمنية وتأتي أحكامهم إرضاءً لها، وتجدهم يتسابقون فيما بينهم بسؤالهم لبعضهم البعض عن كم البلاغات التي حكموا فيها بالإعدام والمؤبد والحكم بعشر سنوات على الذين يحاكمونهم، ويستصدرون تلك الأحكام حتى وإن لم توجد بينات ودلائل على المتهم الذي أمامهم متنكرين تماماً لمبدأ العدالة والوجدان السليم.
وأغلبهم قضاة محاكم جنائية وهم منتشرون في البحر الأحمر وكسلا والقضارف وسنجة ومدني وسنار والخرطوم والنيل الأبيض، وتصدر منهم يومياً مئات الأحكام الجائرة والظالمة في حق أبناء الشعب السوداني الذين يملأون السجون الآن.
وهؤلاء القضاة تحديداً مفصولون عن الواقع السياسي السوداني تماماً، يعملون وفق موجّهات (أحمد هارون)، لا تعنيهم عودة النور قبة أم كيكل أم السافنا.
ويتمتعون بكل مخصصات فساد إدارة الخدمات من عربات فارهة وبدلات في المرتبات وقطع أراضي مخصصة ومشيدة بأموال السلطة القضائية.

ب/ النوع الثاني (القضاة المغضوب عليهم):
هؤلاء الآن يتم التخلص منهم تدريجياً كما ذكرنا بعاليه إما بالفصل أو الإيقاف والإحالة للتحقيق.
وتتم مضايقتهم لأنهم رفضوا بيع ذممهم واختاروا طريق العدالة القويم ورفضوا الانتماء لحزب وانتصروا للمهنية ومبدأ الحياد والاستقلالية، فكان نصيبهم أشد أنواع العقاب: ضعف في المرتبات، انتقائية في الترقيات، وعدم توفير أقل مطلوبات القيام بالأعمال من بدائل ترحيل وسكن ولبس.
وهم من أشد الفئات فقراً. فلك أن تتخيل أن قاضي العليا وهو في أعلى درجات هرم السلطة القضائية مرتبه ٢٧٦ ألف ج. أي أقل من ١٠٠ دولار، وإجمالي المرتب ٨٢٠ ألف جنية يساوي ٢٠٠ دولار. وقاضي الاستئناف مرتبه ٢٠٩ ألف جنية أقل من ١٠٠ دولار وإجمالي المرتب ٧٢٠ ألفاً. وقاضي العامة مرتبه ١٩٠ ألف جنية وإجمالي المرتب ٥٤٠ ألفاً. وأدنى درجة في هرم السلطة القضائية وهو قاضي الدرجة الثالثة إجمالي مرتبه ٣٠٠ ألف أي أقل من ١٠٠ دولار.
ورغم كل المذكور تمارس عليهم يومياً ضروب من التخويف والترهيب باستصدار القرارات الظالمة الجائرة من لجنة وائل وقيع الله إما بالفصل أو الإيقاف.
وهذا القاضي تحديداً هو من يقوم بإعداد كشف التنقلات للقضاة بجهاز الخرطوم، والمعيار الذي يتخذه في إعداد الكشف: الانتماء للحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، فإن كان القاضي منهم سينقله إلى محكمة أفضل، وإن كنت لا تنتمي لتنظيمهم فيتم نقله لمحكمة طرفية حتى يكابد مشقة الحركة إليها.

ثالثاً: (الفساد المقنن لإدارة الخدمات بالسلطة القضائية)

قاضي محكمة الاستئناف القاضي مالك بكري هو أُسّ الفساد بالسلطة القضائية، وقد وضحت ذلك في تقاريري السابقة ووضحت كيف أن وجوده على رأس إدارة الخدمات وهو قاضي استئناف فيه مخالفة واضحة لما جرى عليه العمل والعرف في وجوب أن يرأس هذه الإدارة قاضي محكمة عليا، ولكنه ظل باقياً في هذا الموقع لأن رئيس القضاء عبدالعزيز فتح الرحمن يريده أن يكون على رأس إدارة الخدمات طالما ينفذ مطلوباته وفق المخطط والمرسوم بتوظيفه لجميع أموال القضائية في استثمارات خاصة عن طريق شركات وأسماء أعمال تعمل في كافة المجالات التجارية ويعود عائدها له.
وبالرغم من أن مال الخدمات هو استقطاع من مرتب القاضي ومن المفترض أن يعود عليه في شكل خدمات، إلا أن هذه الإدارة ومن تاريخ بداية الحرب وحتى الآن لم تقدم أي شيء للقضاة، لأنها ببساطة سطت على أموال القضاة وظفّتها لصالحهم وحرمت أصحاب الحق الأصيل من التمتع بحقهم.

رئيس القضاء عبدالعزيز ورؤساء الأجهزة القضائية وإدارات القضائية كلهم من منطقة واحدة من نهر النيل والشمالية، وجلهم من عطبرة تحديداً، على سبيل المثال لا الحصر:
١/ أسامة عثمان بشير رئيس التوثيقات من عطبرة.
٢/ شرف الدين أحمدي المسجل العام للأراضي من عطبرة.
٣/ عباس البشري رئيس الجهاز القضائي نهر النيل من نهر النيل.
٤/ خالد ميرغني رئيس جهاز الشمالية دنقلا.
٥/ زهير بابكر نائب إدارة التفتيش من شندي.
والكشف يطول.

وفي نهج وبدعة جديدة للإدارات وسنة غير مسبوقة من قبل، تقوم هذه الإدارات بين فترة وأخرى بالتجوال على الأجهزة ليس للوقوف على سير العمل أو لتحسين بيئته، وإنما لتلقي المنح المالية (الظروف) التي توزع لكل منهم من رؤساء الأجهزة، وعلى رئيس الجهاز أن يدفع وإلا كان مصيره العزل من رئاسة الجهاز.
مؤخراً قام رئيس القضاء ومن معه من قضاة الإدارات باستخراج قطع أراضي سكنية من الجهات المختصة بمدينة عطبرة بحي المطار في استغلال واضح للنفوذ والسلطات، وتم سداد رسومها من مال السلطة القضائية.
والآن يتم تشييد هذه المباني أيضاً بأموال السلطة القضائية، والذي ينفذ ويشرف على التشييد هو (نجل) رئيس القضاء نفسه عبدالعزيز فتح الرحمن. وهذا الملف سنفصل الفساد فيه مستقبلاً ونفرد له مساحة أوسع في الكشف والتدقيق.
كما شيد رئيس القضاء مبنى ضخماً للمحكمة الشرعية بمدينة عطبرة كلف تريليونات الجنيهات صُرفت في المباني، في الوقت الذي يعيش بعض القضاة العوز والفقر الذي بسببهم أصبحوا يتسولون الناس في شوارع بورتسودان. ولا داعي لذكر اسم القاضي الذي فصلتموه بسبب القبض عليه ضمن دورية المحلية التي قبضت على المتسولين في الشارع، ووجد من ضمن المتسولين. وهو في نظري حقاً رجل شريف أقلاً كان يتسول الناس ويعطوه برضائهم ولا يأخذ أموالهم بالفساد والسرقة.
وهذا السلوك في الفساد ليس غريباً على السلطة القضائية، فقد سلكه قبل فتح الرحمن سلفه رئيس القضاء الأسبق القاضي جلال الدين محمد عثمان حينما أرسى مناقصات بناء وتشييد مباني المحاكم في الخرطوم وكل ولايات السودان لنسيبه، وعندما ظهرت العيوب الهندسية في مباني محاكم الخرطوم شمال ومجمع محاكم الامتداد والمحكمة الجنائية بالخرطوم جنوب، عجزت السلطات عن مقاضاته لأنه قريب جلال.

سأواصل في كشف المستور في هذا الملف كما ذكرت وأكدت من أول تقرير سبق أن قمت بإعداده. والله وكيلي وهو خير الحافظين.

رحاب مبارك سيدأحمد
المحامية والمدافعة عن حقوق الإنسان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *