معلومات التواصل

السودان،الخرطوم،الرياض

متواجدون على مدار الساعة

حين “يتفرشخ” الأمل

تقرير – استقصائي

جالسًا القرفصاء، أو كما يقول السودانيون “متفرشخًا” فوق الأرض، راقب رئيس الوزراء كامل إدريس سير العمل في مشروع إنارة شارع عبيد ختم بالخرطوم، ولم يغادر الموقع قبل أن يوجه بإكمال المشروع خلال عشرة أيام.

غير أن هذه التوجيهات لم تكن جديدة على السودانيين. فقد أعادت إلى الأذهان توجيهات الرجل قبل عام، حين ألزم الجهات المختصة بإكمال صيانة جسري الحلفايا وشمبات خلال ستة أشهر، مرورًا بتوجيهاته شبه الأسبوعية بشأن أزمة العفش في مطار بورتسودان، وصولًا إلى سلسلة من التعليمات التي ظلت تتكرر أكثر مما تحولت إلى إنجازات ملموسة على الأرض.

وفي ذلك الوقت، كان رئيس الوزراء يتابع مشروع إنارة شارع عبيد ختم بالطاقة الشمسية، بعد تدوينة نشرها مهنئًا المنتخب الإسباني بإحراز لقب كأس العالم، وهي تغريدة أعادت طرح سؤال ظل يلاحقه منذ توليه المنصب: ما هي أولويات السلطة في بلد يخوض حربًا مفتوحة؟ وما الذي يشغل حكومة كامل إدريس حقًا؟

ينتظر رئيس الوزراء إنارة شارع عبيد ختم بالطاقة الشمسية في مدينة غادر معظم سكانها منازلهم بسبب الحرب، بينما لا تزال الكهرباء العامة منقطعة عن أحياء واسعة، في أزمة لا تبدو ضمن أولويات الحكومة بالقدر نفسه. ويقود ذلك إلى سؤال آخر لا يقل إلحاحًا: من المستفيد من إنارة شارع عبيد ختم، بينما أبعدت الحرب معظم قاطنيه، ولم تنجح دعوات الحكومة في إعادتهم إلى منازلهم؟

وتزداد المفارقة وضوحًا عندما يتعلق الأمر برئيس الوزراء نفسه، إذ إن منزله يقع في تلك المنطقة، لكنه لم يعد إليه حتى الآن، شأنه شأن آلاف السودانيين الذين حالت ظروف الحرب دون العودة إلى بيوتهم. وهنا يفرض السؤال نفسه: لمن ستضاء الأنوار؟

وبينما كانت وكالة الأنباء الرسمية تحتفي بجولة رئيس الوزراء ومتابعته لمشروع إنارة شارع عبيد ختم، كانت وزارة الطاقة تصدر بيانًا تبرر فيه استمرار أزمة الكهرباء بارتفاع درجات الحرارة وعودة أعداد كبيرة من المواطنين، وهو ما أدى – بحسب الوزارة – إلى زيادة الطلب على الإمداد الكهربائي.

وقد يبدو نزول الرجل الذي يشغل أعلى منصب تنفيذي في البلاد لمتابعة مشروع إنارة شارع أمرًا يبعث على الدهشة في الظروف الطبيعية، لكنه في الحالة السودانية يبدو مشهدًا منسجمًا مع واقع السلطة، التي تبدو منشغلة بعناوين صغيرة، بينما تتكدس أمامها ملفات أكبر وأكثر إلحاحًا تتعلق بمعاش الناس وأمنهم وخدماتهم الأساسية.

ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان اللحظة التي أعلن فيها كامل إدريس، في مايو 2025، ميلاد ما أسماه بـ”حكومة الأمل”. يومها حمل الرجل حزمة من الوعود الكبيرة، متحدثًا عن العدالة، والصدق، والتخطيط الاستراتيجي، فاعتقد قطاع من السودانيين أن البلاد ربما تكون على موعد مع بداية مختلفة تنتشلها من أزماتها المتراكمة.

لكن الأشهر التالية، بحسب منتقدي الحكومة، حملت صورة مغايرة. فالوعود الكبيرة بقيت معلقة، والشعارات الرنانة تحولت إلى كلمات بلا أثر، بينما اتسعت الفجوة بين التصريحات والواقع، حتى بدا وكأن الحكومة اكتفت بتحقيق حلم الوصول إلى السلطة، تاركة أحلام المواطنين معلقة على أبواب الانتظار.

وكثيرًا ما بدت قرارات رئيس الوزراء وكأنها تصدر في وادٍ، بينما يجري التنفيذ – أو عدمه – في وادٍ آخر، الأمر الذي رسخ انطباعًا لدى قطاعات واسعة بأن التعهدات الحكومية لم تعد تتجاوز حدود البيانات والتوجيهات.

وفي الجهة الأخرى، ينظر مواطن شردته الحرب إلى صورة رئيس الوزراء على شاشة هاتفه. ربما يحمد الله سرًا لأن ما يراه اليوم أقل قسوة من صور أخرى يزدحم بها “التايم لاين”. فهي، على الأقل، ليست مقاطع مصورة لـ”أبورهف” وهو يبث مباشرة من الخطوط الأمامية، وليست صور مسؤولين يحتفلون بافتتاح مشروعات في زمن الحرب، لكنها، في نهاية المطاف، تظل صورة تختزل حال رئيس الوزراء في واحدة من أسوأ مراحل السودان.

إنها صورة لا تثير الدهشة بقدر ما تعكس طبيعة المرحلة، وتختصر واقع حكومة جاءت تحمل اسم “الأمل”، بينما لا يزال السودانيون ينتظرون فعلًا يوازي حجم المأساة، وإنجازًا يليق بحجم الوعود.

ولعل الصورة، بكل تفاصيلها، تقول أكثر مما قالته البيانات الرسمية. فهي ليست مجرد رئيس وزراء يتابع مشروع إنارة شارع، وإنما مشهد يلخص المسافة بين ما ينتظره السودانيون من حكومتهم، وما تقدمه لهم على أرض الواقع.

وفي بلد أنهكته الحرب، وتآكلت فيه الخدمات، وتشرد الملايين من سكانه، لم يعد السؤال متعلقًا بموعد إضاءة شارع عبيد ختم، بل بموعد استعادة وطن بأكمله. وحتى يحين ذلك، سيظل كثيرون يرون أن المشهد كله يمكن اختزاله في عبارة واحدة: حين “يتفرشخ” الأمل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *