معلومات التواصل

السودان،الخرطوم،الرياض

متواجدون على مدار الساعة

السودان بين الجغرافيا السياسية وإعادة إنتاج السلطة: هليخدم ضعف الدولة مصالح الفاعلين الإقليميين؟

بقلم: د. هناء البشير محمد

لم تعد الحرب في السودان مجرد صراع داخلي على السلطة، والثروة بل أصبحت جزءًا من شبكة معقدة من التنافسات الإقليمية والدولية، تتداخل فيها اعتبارات الأمن، والاقتصاد، والجغرافيا السياسية. ومن هذا المنطلق، فإن أي قراءة لمواقف القوى الخارجية ينبغي أن تنطلق أي نوع من الدولة السودانية يخدم مصالح هذه القوى؟

في أدبيات الواقعية السياسية، لا تتحرك الدول وفق اعتبارات أخلاقية أو أيديولوجية بقدر ما تتحرك وفق حسابات القوة والمصلحة. ولذلك، فإن القوى الإقليمية لا تبحث بالضرورة عن سودان ديمقراطي أو استبدادي، وإنما عن سودان لا يشكل تهديدًا لمصالحها الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية.

ويذهب عدد من الباحثين في الاقتصاد السياسي إلى أن الدول الضعيفة مؤسسيًا تكون أكثر عرضة للتأثير الخارجي، وأقل قدرة على التفاوض بشأن مواردها الطبيعية أو رسم سياسات خارجية مستقلة. وفي هذا السياق، يصبح ضعف الدولة، بالنسبة لبعض الفاعلين، بيئة تسمح بتوسيع النفوذ السياسي والاقتصادي مقارنة بوجود دولة قوية ذات مؤسسات مستقلة ورقابة ديمقراطية.

لقد كشفت الحرب عن استمرار نفوذ شبكات النظام السابق داخل مؤسسات الدولة، وخاصة داخل بعض الأجهزة المدنية والعسكرية. ويرى كثير من المحللين أن هذا الواقع يطرح تحديًا كبيرًا أمام أي عملية انتقال سياسي، لأن بقاء شبكات النفوذ القديمة قد يؤدي إلى إعادة إنتاج منظومة الحكم نفسها حتى لو تغيرت الواجهات السياسية.

وفي هذا الإطار، يثار نقاش واسع حول دور بعض القوى الإقليمية، ومنها مصر والمملكة العربية السعودية، في مسار التسوية السياسية. ويختلف المحللون في تفسير سياسات هذه الدول؛ فبينما يرى فريق أنها تركز أساسًا على منع انهيار الدولة السودانية والحفاظ على الاستقرار الإقليمي، يرى آخرون أن أولوياتها الأمنية قد تجعلها أكثر استعدادًا للتعامل مع السلطات القائمة أو مع المؤسسات العسكرية بوصفها شريكًا أكثر قدرة على ضبط الأوضاع، بغض النظر عن مدى تقدم مسار التحول الديمقراطي. وهذه تفسيرات تحليلية تختلف حولها الآراء، ولا يمكن الجزم بها دون أدلة خاصة بكل حالة.

إن المشكلة الجوهرية لا تكمن في أسماء الحكومات، وإنما في بنية السلطة نفسها. فإذا بقيت المؤسسات الأمنية والعسكرية خارج إطار الإصلاح والمساءلة، وإذا استمرت شبكات النفوذ القديمة في التحكم بمفاصل الدولة، فإن أي عملية سياسية ستكون أقرب إلى إعادة توزيع السلطة بين النخب منها إلى تأسيس عقد اجتماعي جديد.

لقد أثبتت التجربة السودانية منذ الاستقلال أن التحالف بين السلطة العسكرية وشبكات المصالح السياسية والاقتصادية كان أحد أهم أسباب فشل بناء الدولة الوطنية. ولذلك فإن إنهاء الحرب لا ينبغي أن يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يجب أن يشمل إصلاحًا مؤسسيًا شاملًا يعيد بناء القوات المسلحة على أسس مهنية وقومية، ويضمن خضوعها للسلطة المدنية المنتخبة، ويؤسس لعدالة انتقالية حقيقية.

إن السودان لا يحتاج إلى تسوية تعيد إنتاج موازين القوى التي قادت إلى الحرب، بل إلى مشروع وطني يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية، ويؤسس لسيادة وطنية تستند إلى مؤسسات قوية لا إلى توازنات إقليمية متغيرة.

ويبقى السؤال الأهم: هل تسمح موازين القوى الإقليمية والدولية بقيام دولة سودانية ديمقراطية ذات قرار مستقل، أم أن مصالح بعض الفاعلين ستظل تدفع نحو تسويات تحقق الاستقرار الآني على حساب التحول الديمقراطي؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مآلات الحرب، وإنما مستقبل السودان.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *