هارون وعبد الحي، صندوق الرصاص والانتخابات
تقرير – شوقي عبد العظيم
ما قاله أحمد هارون لرويترز لا يعدو كون أنه رأس جبل الجليد، أو بالأحرى رأس جبل الحقيقة، والحقيقة التي يحرص هارون وجماعة الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني أن تبقى مطمورة تحت ركام الأكاذيب، والشائعات والحقائق البديلة، هي حقيقة الحرب، من ورائها، ومن تسبب فيها وما غرضه منها، أو بأختصار هي حرب من ؟، وهارون من غرفته المظلمة، كشف عن الغموض الذي ظل يطوق الحرب، وذهب أبعد من ذلك كاشفا عن خطة ما بعد الحرب للحركة الاسلامية، وهذا يبدو ظاهرا لكل من نظر إلى ما صرح به للوكالة العالمية مرتين، عندما قال ” نرى أن يبقى الجيش في السياسة طويلا” وسيكون هناك استفتاء على قائد من القوات المسلحة، والأكثر وضوحا قوله ” المؤتمر الوطني اتخذ قرارًا استراتيجيًا ألاّ يعود إلى السلطة إلا عبر صناديق الانتخابات، ولن يكون في أي حكومة انتقالية غير منتخبة بعد الحرب.” ولكن من عِبر التاريخ أن صناديق الانتخابات عند هارون وجماعته لزاما أن تسبقها دبابة وكلاشنكوف، ومارشات عسكرية وموتى ومعتقلين، وصناديق رصاص وذخيرة.
حرب أحمد هارون الأولى كانت في دارفور، وربما يعد الرجل أشهر من تولوا هذا الملف، لأسباب عديدة، أولها قولته المشهورة التي سار بها الركبان: “أكسح أمسح ما تجيبو حي ما دايرين عبء إداري”.
سبقه عليها (عبد الحي)
هل يذكر الناس ما قاله الشيخ عبد الحي يوسف؟ في أوان الحرب الأحداث سريعة وملاحقتها شاقة، غير أن ما قاله عضو الحركة الإسلامية عبد الحي كشف مبكرا خطة هارون التي كشفها لرويترز، ولو لا تصاريف “الميديا” واحابيلها لما انطلت على الناس خديعة “حرب الكرامة” ولا سأل أهل السودان هذه الحرب حرب من؟ عبد الحي قال ” الحرب أعادة للحركة الإسلامية ألقها” والشيخ خطيب منابر مفوه يعرف ما يقول، وقال بعد أن وضع في عينيه نظرة ماكرة ” المجاهدين عادوا ولكن سميناهم اسم دلع وهو المقاومة الشعبية” الشيخ كان يجلس في قاعة باهرة الإضاءة ومكيفة الهواء وقبل ذلك فهم أن اللقاء سري وللصفوة فقط بينما هارون في غرفته المظلمة يعلم أن رويترز ستنقل كل حرف يقوله للناس في أرجاء المعمورة.
حروب هارون
حرب هارون الأولى كانت في دارفور، وربما يعد الرجل أشهر من تولوا هذا الملف، لأسباب عديدة، أولها قولته المشهورة التي سار بها الركبان :”أكسح أمسح ما تجيبو حي ما دايرين عبء إداري” والسبب الثاني أنه بعد تعيينه وزير دولة بوزارة الداخلية عام 2003، اشتدت وحشية الحرب في الإقليم المضطرب، وظهر اسلوب تجنيد القبائل وحرق القرى والتهجير القسري والإبادة الجماعية، لذا كان هارون أول من ظهر في قائمة لويس أوكامبو في 2008 مطلوبا للمحكمة الجنائية، ومن دارفور انتقل هارون إلى حرب جديدة، ومسرحها ولاية جنوب كردفان في جبال النوبة، وقتها كان واليا كامل الصلاحيات على ولاية جنوب كردفان، والمفارقة أن البلد كان في فترة نقاهة من الحروب تتعافى عبر اتفاق سلام نيفاشا، وعمليا في عام 2011 استبدل هارون صندوق الانتخابات الذي يتحدث عنه لوكالة رويترز اليوم بصندوق الذخيرة وقذائف الهاون، بعد احتج نائبه عبد العزيز الحلو ومن معه على تزوير انتخابات الوالي، وردا على هذا الاحتجاج لعلع الرصاص في مدينة كادقلي وقرى وكراكير جنوب كردفان وامتدت حرب هارون الثانية إلى تخوم النيل الأزرق وداخل مدينة الدمازين وقتل خلق كثير.
في عام 2011 استبدل أحمد هارون صندوق الانتخابات الذي يتحدث عنه اليوم بصندوق الذخيرة وقذائف الهاون، بعد احتج نائبه عبد العزيز الحلو ومن معه على تزوير انتخابات الوالي.
كامل وهارون: دور يا زمن
هذه الحادثة معلومة للكثيرين، ومن العجائب أن أحد اللاعبين الرئيسيين فيها رئيس الوزراء المعين كامل إدريس وطرفها الأخر أحمد هارون، ولها ارتباط وثيق بالمحكمة الجنائية الدولية أوكامبو، وهي أحدى المرات المتكررة التي استعانت فيها الحركة الإسلامية بالدكتور كامل إدريس، وعندها طلبت منه أن يستخدم علاقاته الدولية في مخارجة عمر البشير من ضغط اوكامبو الذي ظل يردد في الإعلام “البشير سيمثل أمام المحكمة طال الزمن أم قصر” وفعلا تحرك كامل، ونجح في أن وفدا من قضاة سودانيين يذهب ويجتمع مع أوكامبو وقضاة الجنائية، وسافر الوفد ومن بين من فيه مولانا دفع الله الحاج يوسف وأحمد أبوزيد وعمر شمينا، وتم الاتفاق على أن تبدي الدولة تعاونا، حتى يسمح بمحاكمة هجين للبشير وطنية ودولية، وتقرر أن يكون التعاون بأن يسلم هارون نفسه للمحكمة طوعا وبرضى الحكومة، واوكل مهمة ابلاغه بالعرض إلى مولانا أحمد أبوزيد، ويحكي مولانا قائلا” دخلت عليه وهو وزيرا للدولة بوزارة الداخلية، واستقبلني أول الأمر أفضل استقبال ولما فاتحته في الموضوع تبدل على الفور وتهيج وقال محادثه ” مرقني كيرعيني”، وهاهو الزمان يدور، ويعود كامل إدريس رئيس وزراء تحت حماية هارون وكتائبه مؤتمرا بأمرهم.
وصفة البشير تعود
وقال هارون لوكالة رويترز إن حزب المؤتمر الوطني يتوقع هيكلًا هجينًا للحكم، يحتفظ فيه الجيش بالسيادة حتى زوال جميع التهديدات، بينما تُفضي الانتخابات إلى تولي المدنيين إدارة الحكومة، وهذا القول هو رفع الغطاء قليلا عن خطة الحركة الإسلامية للحكم بعد الحرب، على الرغم من إنكارها بأن الحرب هي رافعتها الوحيدة لكرسي السلطة، و وفحص هذه العبارة يحيلنا إلى (30) سنة من حكم الحركة برئاسة البشير، عسكري ومدنيين اسلاميين، ثم بذات الطريقة رهن الانتخابات التي سيشارك فيها الجميع ولو نظريا إلى (حين زوال المهددات) و المهددات لا يجب أن تفهم على أنها مهددات الوطن وإنما مهددات الحركة الإسلامية وقياداتها وزوالها من عدمه قرار لا يخص أحد سواهم، وبهذا لا ثورة ولا تغيير ودعا للتحول المدني الديمقراطي.
الجديد الخطير
حتى لا نظلم هارون وإن شئت الدقة لا نظلم الحركة الإسلامية في رئيتها جديد وفق ما ذكرت رويترز ولكنه في ذات الوقت خطير ويستدعي الانتباه، وهو ما جاء في حديثه كالآتي: “النموذج الغربي لن يكون مناسبًا للسودان، ولا بد من الوصول لصيغة عن دور الجيش في السياسة في ظل الهشاشة الأمنية والأطماع الخارجية، فهذه لن تكون الحرب الأولى ولا الأخيرة في البلد. واقترح هارون، “إجراء استفتاء لاختيار ضابط الجيش الذي سيقود البلاد” أولا التلويح بأن هذه الحرب لن تكون الأخيرة هي رسالة للسودانيين أن يحتموا ببندقية الحركة الإسلامية، ثم عاد للحفاظ على استثمارهم الطويل في الجيش والأجهزة الأمنية ودوره في بقائهم في السلطة، والأخطر أنهم في تحايل على أجواء الثورة والتغيير قرروا أن يعين الضابط العظيم هذه المرة بعد الاستفتاء عليه، وبهذا لا يزايد عليه أحد ولا يخرج عليه شارع.
النموذج الغربي لن يكون مناسبًا للسودان، ولا بد من الوصول لصيغة عن دور الجيش في السياسة في ظل الهشاشة الأمنية والأطماع الخارجية، فهذه لن تكون الحرب الأولى ولا الأخيرة في البلد.
هي حربهم
ما قاله أحمد هارون أكد أن الحرب هي حرب العودة للسلطة، وأنهم من اليوم الأول أو ربما قبله استعدوا كامل الاستعداد لمعاودة التحكم في مصير السودان، بعد أن باعوا للسودانيين أنها حرب ” الكرامة” وأنها حفاظا على السيادة، ونتيجتها القضاء على الدعم السريع ولكن حرب 15 أبريل ما هي إلاإمجرد تذكير بمدى السوء الذي يمكن أن تؤول إليه الأمور عندما تبدو الحركة الإسلامية مستعدة لفعل أي شيء لتعود للسلطة، ودعونا أن نختم بما كتبه القيادي بتحالف صمود ونائب رئيس حزب المؤتمر السوداني خالد عمر يوسف على صفحته بالفيسبوك بعد تصريحات هارون وقال” ما كشفه السيد أحمد هارون اليوم لم يكن سراً، قلناه قبل اندلاع الحرب، ويوم اشتعلت، وخلال عامي استمرارها، وما زلنا نردده حتى يومنا هذا، ولم نتزحزح أبداً عن قول الحق حول طبيعة هذه الحرب، ومن استثمر فيها، وما هي غاياتها الحقيقية، لم تهزنا الأكاذيب أو ساقط القول”.
نقلا عن ديسمبر