معلومات التواصل

السودان،الخرطوم،الرياض

متواجدون على مدار الساعة

السودان: كيف واجه مواطنو ولاية الجزيرة مشكلة العطش وفقدان الكهرباء؟

ود مدني، 31 يناير 2026، (شبكة عاين)

خلال الأشهر الماضية، وبجهود شعبية، تمكن سكان قرى في ولاية الجزيرة أواسط السودان، في إنهاء العطش الناتج من عدم استقرار التيار الكهربائي باستخدام الطاقة الشمسية لتشغيل الآلاف من مصادر المياه في المدن والقرى والفيافي البعيدة.

وكانت الحرب في السودان بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع المشتعلة منذ أبريل 2023 وحتى الآن قد أصابت قطاع الكهرباء في مقتل، حيث تعرضت محطات التوليد والتوزيع وخطوط النقل إلى التخريب المتعمد، بما في سرقة “المولدات” وتفكيك الأجهزة والمعدات ونهب الأسلاك، كما ظلت مصادر رئيسة لتوليد الكهرباء تتعرض لقصف الطائرات المسيرة من قبل قوات الدعم السريع، مثل سد مروي ومحطة أم دباكر وعطبرة، وأم درمان، إلى جانب مرافق أخرى تابعة لقطاع الكهرباء تعرضت للقصف العشوائي بين الطرفين في بعض المناطق.

لم تكن ولاية الجزيرة، وسط السودان، استثناء من بين بقية الولاية، حيث تدحرجت إلى الحد الأدنى خدمة الكهرباء، خصوصا بعد سيطرة الدعم السريع على الولاية إلى أن انعدمت تماما في كامل الولاية بنهاية العام 2024، ما سبب في ضائقات معيشية لمن بقي من السكان داخل الولاية، لاسيما في مجال خدمة المياه التي كانت تعتمد بشكل كلي على التيار الكهربائي في تشغيل مصادر المياه المختلفة، ولم تتحسن الأوضاع بعد إعادة الجيش سيطرته على الولاية، إذ ظلت العديد من المدن والقرى في حالة إظلام تام لأكثر من عام، بينما عادت التيار إلى مناطق أخرى بصورة تدريجية، لكنه لم يستقر تماما إلى الآن.

جهد شعبي

قرية الكسمبر، واحدة من قرى ولاية الجزيرة، وتبعد نحو 90 كيلومترا من العاصمة الخرطوم، وبعد اندلاع الحرب في 2023 بدأت تواجه مشكلات العطش، وذلك نتيجة لتذبذب التيار الكهربائي، المغذي الرئيس لأربعة مصادر مياه تعتمد عليها القرية في بالمياه. ومع سيطرة قوات الدعم السريع على ولاية الجزيرة، وفي أيامها الأخيرة، انقطع التيار الكهربائي تماما، فواجه أهالي القرية العطش أكثر، مع ارتفاع تكلفة الجازولين وصعوبة الحصول عليه حينئذ، وهنا تدخلت (جمعية الكسمبر الخيرية)، وهو جسم شكله شباب القرية لتقديم خدمات متنوعة، لحل المشكلة بصورة نهائية، اعتمادا على الطاقة الشمسية، لكن واجهتهم ظروف المال وظروف نقلها من ولاية نهر النيل، حيث كانت تباع هناك، إذ يصعب إحضارها مع واقع عمليات النهب والمصادرة التي كانت تمارسها قوات الدعم السريع آنئذ.

وفي السودان عموما، يتوفر إشعاع شمسي ينتج طاقة تبلغ حوالي 6 كيلوواط/ ساعة لكل متر مربع يومياً، لم تنتبه لذلك طوال عقود الحكم الوطني الحكومات المتعاقبة لتحقيق أكبر نسبة استخدام.

يقول الأمين الإعلامي للجمعية، مبارك الحسن: إنهم “تمكنوا من توفير الأموال اللازمة لشراء ألواح الطاقة الشمسية لتشغيل “بيارة واحدة” كمرحلة أولى، ذلك عبر دعم سخي من أبناء القرية المهاجرين في السعودية وبلدان أخرى، إلى جانب تبرعات السكان بالداخل، وقد وصلت المبالغ التي جمعت إلى أكثر من 10 مليون جنيه سوداني (2500 دولار تقريبا)، فاكتمل الشراء ونُقِلَت من شندي بالكثير من التكتم وركبت سرا، لتغطي نحو 40 بالمائة من احتياجات القرية من المياه، وتعهدت الجمعية بإتمام بقية المحطات، ذلك لأن الحصول على المياه خصوصا في عهد الدعم السريع كان صعبا جدا وبه مخاطر أمنية كبيرة للرجال والنساء والأطفال”.

يضيف الحسن لـ(عاين): “بعد أشهر قليلة وحتى بعد دخول الجيش للولاية ظل حال الكهرباء كما هو، لذا سعت الجمعية، ونجحت أيضا في تركيب طاقة شمسية لمحطة أخرى، غرب القرية، بتكلفة مالية مماثلة، أكثر من 10 مليون جنيه لتغطي أيضا 40 بالمائة من الاستهلاك، وذلك بجهد شعبي خالص، تكفل به أهل القرية بالداخل وخارج السودان، في حين دعمت السلطات المحلية الحكومية، لاحقا” تركيب طاقة شمسية لمحطة ثالثة، مشيرا إلى أن الجمعية تعمل الآن على تغذية المحطة الرابعة بالطاقة الشمسية، وكل ذلك تحوطا لعدم استقرار التيار الكهربائي، مؤكدا أن كل ذلك خفف الكثير على المواطن بما يشمل الأعباء المالية والجسدية.

ما أنجزه أهالي قرية الكسمبر، هو ما اجتهدت فيه أيضا بقية القرى والمدن بمحلية الكاملين التي تقع فيها القرية، حيث تكاتف أهالي القرى والمدن، لإطفاء نار العطش اعتمادا على الشمس لتوليد الطاقة لتشغيل محطات المياه، حتى وصلت جملة المحطات التي شغلت بألواح الطاقة الشمسية أكثر من 90% من المحطات البالغ عددها 300 محطة، طبقا لمصدر بهيئة مياه محلية الكاملين الذي أشاد بجهد منظمات المجتمع المدني المحلية وبتبرعات منظمات دولية مثل اليونسيف وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي وغيرها من منظمات، إضافة لحكومة الولاية والحكومة الاتحادية التي كانت لهما أسهما في تشغيل عدد من المحطات.

مرافق أخرى تدخل الخدمة

يقول خالد محمد الحسن، وهو تاجر ينشط في بيع ألواح ومعدات الطاقة الشمسية بمحلية الكاملين، أنه، وخلال الفترة الأخيرة، وجد تلك التجارة رواجا واسعا، لاستخدامها في تشغيل محطات المياه والمرافق الأخرى، بما في يشمل المشافي والقطاع التجاري والصناعي والزراعي والمنازل، وأثبتت جدواها تماما، وأوضح الحسن في مقابلة مع (عاين)، أنه لا توجد أي معوقات في مجال العمل بالطاقة الشمسية، وتدعم الدولة تلك التوجهات بشدة، مبينا الدولة تتحصل رسوما مالية قليلة مثل رسوم المواصفات والمقاييس لا تزيد عن 5 ملايين حاوية الشحن الواحدة، ولا تفرض عليها جمارك، مشيرا إلى أن تكلفة الترحيل ربما تكون هي الأكثر تأثيرا على الأسعار.

وحول الأسعار نفسها، يقول الحسن، إن أسعار الألواح تختلف باختلاف النوع  والسعة، مثلا 700 واط الذي يستخدم في المجال الزراعي يصل سعره بين 270 إلى 310 ألف جنيه، أما البطاريات فهي الأغلى في منظومة الطاقة، وتبدأ من 100 أمبير مرورا بـ 150 أمبير، وهناك بطاريات الليثيوم، 2 كيلو إلى 25 كيلو، مبينا أن سعر المائة أمبير يصل إلى 300 ألف وبطارية 200 أمبير تصل بين 500 إلى 800 ألف، أما بطارية الليثيوم، 2 كيلو بنحو مليون ونصف المليون جنيه، بينما تصل أسعار 25 كيلو إلى أكثر من 7 ملايين جنيه، مقدرا تكلفة تشغيل البيارة الواحدة ما بين 10 إلى 11 مليون جنيه.

إعادة تشغيل 2300 محطة مياه

هذه المجهودات شملت كل محليات الولاية الـ 8، حيث تبلغ جملة مصادر المياه بولاية الجزيرة نحو ثلاثة آلاف و520، تتنوع ما بين آبار جوفية، ومحطات تنقية، ومرشحات، ويؤكد مدير المشروعات بهيئة مياه ولاية الجزيرة المهندس عوض عمر لـ(عاين)، أن إدارته، ومنذ دخول الجيش لمدينة ود مدني، عاصمة الولاية، جهزت الدراسات الفنية لتشغيل محطات المياه بأنظمة الطاقة الشمسية، وباشرت العمل فيها ابتداء من يناير 2025 بتمويل من وزارة المالية والاقتصاد والقوة العاملة بالولاية، وعملت الإدارة بعد ذلك على إعادة تشغيل محطة التنقية الرئيسية بمدني خلال 11 يوما فقط من عودة المدينة، ما أسهم إسهاما كبيرا في عودة النازحين إلى ديارهم واستقرارهم.

وأضاف: أن “تركيب أنظمة الطاقة الشمسية لمحطات المياه أسهم كذلك في استقرار الإمداد المائي بالولاية، وعودة أهل الجزيرة إلى القرى والفرقان”. مبينا أن جملة أنظمة الطاقة الشمسية التي تم تركيبها في مصادر المياه حتى الآن بلغ أكثر من 2300 محطة مياه، وذلك عبر حكومة الولاية والمنظمات والجهد الشعبي، مشيرا إلى أنه تم حصر كل المحطات المتبقية لتركيبها في العام الحالي.

الخبير في مجال الطاقات البديلة، دكتور الأمين العمدة، عميد كلية البيئة والموارد الطبيعة بجامعة الفاشر، يقول من جهته: إن “الطاقة الشمسية وخلال الحرب الحالية أنقذت الشعب السوداني وأوجدت حلولا في مختلف المجالات، بدءا من تشغيل محطات المياه إلى شحن الهواتف وتشغيل أجهزة “استار لينك” والإنارة “وهو أمر مستمر إلى الآن في المناطق التي تدور فيها الحرب”.

وأبان العمدة في مقابلة مع (عاين)، أن السودان والسودانيين يمكنهم الاستفادة أكثر وأكثر من الطاقة الشمسية التي أثبتت جدواها، لأن البلاد تقع في الحزام الشمسي، ويتوفر الإشعاع الشمسي على مدار 10 إلى 12 ساعة من اليوم، وعلى مدار السنة، لكن المشكلة في السودان، تكمن في سياسات الدولة وعدم وجود خطط واستراتيجيات واضحة ضمن خطط أكبر للتنمية ككل.

العمدة يشير، إلى أن عمل التجار الحالي لا يستند إلى أسس علمية، ويأتي من أجل الكسب المادي، ولا يراعي جوانب فنية مطلوبة، كما أنه بعيدا عن الرقابة، مبينا أن التركيز الآن يتم على استخدام الطاقة الشمسية وتحويلها لطاقة كهربائية، غير أن هناك جدوى أخرى في الاستخدامات الحرارية سواء في الصناعة والتجفيف وغيره.

ينشر منتدى الإعلام السوداني والمؤسسات الأعضاء فيه هذه المادة من إعداد (شبكة عاين)، لتعكس قدرة المواطنين السودانيين في التغلب على التحديات الناجمة عن فقدان الطاقة الكهربائية التي دُمرت بنيتها التحتية بسبب الحرب. تتناول المادة إقدام أهالي قرى الجزيرة الجزيرة على توفير الطاقة عبر الألواح الشمسية وقدرتهم على تشغيل محطات المياه  لعدد 300 محطة بالجهد الشعبي. وتشير المادة إلى إمكانية الاستفادة القصوى من شمس السودان الساطعة لسد حاجة السودانيين للطاقة النظيفة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *