قاطعة عامة
تقرير – استقصائي
“بلاك أوت”.. هكذا استيقظت ولايات الخرطوم، والشمالية، ونهر النيل، والبحر الأحمر على ظلام كامل، بعدما أدى الحريق الذي أصاب ماكينات التشغيل في سد مروي إلى خروج هذه الولايات من الشبكة القومية للكهرباء. وبينما كانت العتمة تتمدد في البيوت والشوارع، خرجت تصريحات المسؤولين لتبلغ الناس أن إصلاح الأعطال يحتاج إلى أيام، وكأن الرسالة المختصرة تقول: إلى ذلك الحين… اغرقوا في ظلامكم.
غير أن الأزمة ربما تشهد انفراجة بعد تدخل رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان. وبحسب ما نقلته صحيفة “السوداني”، فقد أسفر التدخل عن تكليف السفير والملحق العسكري السودانيين في العاصمة الصينية بكين بالتنسيق مع شركة الكهرباء القابضة لتوفير قطع الغيار المطلوبة. ونقل مصدر مسؤول بقطاع الكهرباء للصحيفة أن الشحنة هبطت في القاهرة وهي في طريقها إلى السودان على متن رحلة للخطوط الجوية المصرية، في خطوة أعادت شيئاً من الأمل بإعادة التيار.
لكن “البلاك أوت” أعاد في الوقت ذاته فتح ملف قديم لم يغلق يوماً: من المسؤول عن أزمة الكهرباء في السودان؟ فبالنسبة لداعمي خيار الحكم المدني، فإن ظلام اللحظة لم تصنعه الأعطال وحدها، وإنما صنعه أيضاً الذين يسيطرون على المشهد اليوم. ويرى هؤلاء أن الانقلاب على الحكومة المدنية قطع الطريق أمام تنفيذ مشروعات استراتيجية للطاقة كانت حكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك تعتزم تنفيذها عبر شركة “سيمنز” الألمانية، وكان يُنظر إليها بوصفها أحد الحلول الجذرية لأزمة الكهرباء.
المفارقة، بحسب الجدل الدائر، لا تكمن في تحميل السلطة التي جاءت بعد الانقلاب مسؤولية الأزمة، وإنما في أن أنصار النظام الذي أطاحت به الثورة عادوا بدورهم لتحميل “القحاطة” مسؤولية الظلام الراهن. وهو ما عبّر عنه الضابط معاش طارق كجاب، الطبيب السابق للرئيس المعزول عمر البشير، حين كتب أن الأزمة الأخيرة هي من صنع “القحاطة”، لتعود البلاد إلى ذات الحلقة المفرغة التي يتبادل فيها الجميع الاتهامات، بينما يبقى المواطن وحيداً في مواجهة العتمة.
وفي قلب هذا الظلام، وجد السودانيون أنفسهم غرقى في جدالين متوازيين؛ الأول: من المتسبب في أزمة الكهرباء، بين السلطة الانقلابية والسلطة المنقلب عليها. والثاني أكثر عمقاً: هل الظلام نتيجة للحرب، أم أن الحرب هي الظلام نفسه؟
أما في الشارع، فالقصة تُروى بلغة الناس البسيطة. “البقطعوها الساعة سبعة بجيبوها الساعة كم؟” سؤال يتردد كل يوم، قبل أن يأتي الرد بسؤال أكثر مرارة: “يعني إنتو بتجيكم لمن تقطع؟”. هكذا أصبحت تفاصيل انقطاع الكهرباء حديث المجالس وتقاطعات الطرق، يرافقها حديث آخر لا يغيب عن اتهام ما بات يعرف بـ”مافيا الطاقة الشمسية”، أولئك الذين يرى كثيرون أنهم يتاجرون في معاناة الناس ويجنون الأرباح كلما طال أمد الأزمة.
غير أن مواطناً، بلسان التعب، يختصر المشهد كله قائلاً إن أزمة الكهرباء ليست سوى عرض لأزمة أكبر. “يا عزيزي، الظلام ابن الحرب والنزاع”. ثم يستطرد: “يعني هسة أزمتنا بس النور والكهرباء؟ وين ما تولي وجهك تلقى أزمة؛ غلاء فاحش، وسوق يرهق المرهقين، وأزمة في المشافي والعلاج، وأمراض لا نعرف مصدرها ولا نستطيع الوصول إلى علاجها، وأزمة في العام الدراسي للصغار، وأزمات الجامعات أكبر من أن تختصر في حجاب لبسوه أو خلعوه، وأزمة في الأخلاق، دون أن نتجاوز سيرة الجبايات القانونية أو تلك التي تدخل جيوب من يرتدون شرف الدولة وتفضحهم الكاميرات”.
ثم يمضي إلى خلاصة أكثر قسوة حين يُسأل: الأزمة مكانها وين؟ فيجيب: “الأزمة في قلب من يحاول البعض تسويقهم لنا على أنهم أصحاب الحل. الأزمة في ذلك الذي كتب تغريدة عن حل أزمة الكهرباء وهو جالس تحت تكييف يعمل بالطاقة الشمسية، دفعت ثمنه جيوب من هم تحت الشمس”.
وهكذا لا تبدو أزمة الكهرباء، في نظر كثيرين، مجرد انقطاع للتيار، بل صورة مكثفة لأزمة وطن بأكمله. الأزمة في الأمل الذي تحول إلى ألم، وفي النقصان الذي اكتمل، وفي الحرب، وفي الذين أنجبتهم الحرب كسلطة أمر واقع، وفي “التمليش” الذي صار أحد ملامح المشهد السوداني.
ولا تتوقف آثار انقطاع الكهرباء عند انطفاء المصابيح، بل تمتد إلى “شخير المواسير”. فلا كهرباء تعني لا مياه، وتعني إرهاقاً جديداً يضاف إلى كاهل الأسر التي عادت إلى البلاد، خصوصاً ربات البيوت اللاتي يواجهن تفاصيل الحياة اليومية في غياب أبسط الخدمات.
وحين تسأل عن أثر الانقطاع على تلف المواد الغذائية داخل المنازل، تفاجئك إحدى السيدات بإجابة تختصر حجم المأساة: “إنت من زمن الأكل الببوظ في التلاجات؟ يا حليل التلاجات الشفشفتها الحرب بطرفيها، ويا حليل الناس البتلقي قروش تملا بيها التلاجات”. ثم تنهي حديثها بعبارة لا تحتاج إلى شرح، لأنها تختصر حال البلاد كله: “قاطعة عامة
