معلومات التواصل

السودان،الخرطوم،الرياض

متواجدون على مدار الساعة

تقرير حكومي يثير الجدل.. ومحامون يصفونه بـ “الضعيف والمهزوز”

السودان يقدم تقريراً أولياً لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية وينفي وجود أدلة على استخدام السلاح

 

تقرير – رامي عابدون

 

قدمت بعثة السودان الدائمة لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية مذكرة بتاريخ 6 يوليو 2026 حملت الرقم S/54/OPCW/NV/21، وقد صدرت الاتهامات الأمريكية بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان في مايو 2025، وهو ما دفع رئيس مجلس السيادة الانتقالي لإصدار القرار رقم 139/2025 في الأول من يونيو 2025 بتشكيل لجنة محلية للتحقيق في هذه الاتهامات على أن تكون الدراسة محلية ومستقلة وفقاً لالتزامات السودان بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.

غطى التقرير الأولي فترة عمل اللجنة من 1 يونيو 2025 حتى 30 يونيو 2026، أي نحو 13 شهراً، وأوضحت اللجنة أنها اعتمدت منهجية تقوم على الاستقلالية والموضوعية والشفافية والمهنية، وشملت ولايتها دراسة الاتهامات وجمع المعلومات وتحليلها وإجراء مهام ميدانية وتفتيش في المواقع المحددة، ومقابلة المسؤولين المحليين وقادة المجتمع والممارسين الطبيين وسكان المناطق المتضررة ومراجعة السجلات الطبية وإعداد تقارير أولية ونهائية. وأشار التقرير أيضاً إلى أن اللجنة نسقت مع ممثلي السلطات الفنية الأمريكية كمصدر للاتهامات، وأجرت زيارات ميدانية وعمليات تفتيش وأخذ عينات احترازية وواجهت خلال عملها تحديات تمثلت في الظروف الأمنية والقيود اللوجستية وتأخر الحصول على سجلات من بعض المؤسسات بسبب ظروف الحرب وتأخر تبادل المعلومات من قبل الولايات المتحدة مع التأكيد أن هذه التحديات أثرت على وتيرة العمل وليس على نزاهته.

وخلص التقرير إلى خمس نتائج أولية حيث لم تعثر اللجنة على أي أدلة مادية أو مؤشرات ملحوظة تدعم المزاعم في المواقع التي تم البحث فيها ولم تسفر المقابلات عن شهادات موثقة تؤكد الاستخدام ولم تقدم الوثائق أدلة قابلة للتحقق ولم تكشف التحقيقات الميدانية عن مؤشرات بيئية أو مادية وبالتالي لم تحصل اللجنة على أي أدلة مادية أو فنية أو وثائقية تدعم المزاعم. وأوصت اللجنة بمواصلة التحقيقات الميدانية واستمرار التنسيق مع السلطات وتوفير الدعم اللوجستي والفني ومواصلة جمع المعلومات وتحليلها والحفاظ على التوثيق الشامل وإعداد تقرير نهائي بعد استكمال الإجراءات. وأكدت اللجنة في ختام تقريرها أن هذه النتائج أولية وستواصل عملها وفقاً لولايتها وستدرس أي معلومات أو أدلة إضافية قد تتوفر قبل تقديم تقريرها النهائي.

 

الإطار الزمني والتسويف الممنهج

يُثير التوقيت الذي قدم فيه التقرير إشكالية كبرى، فاللجنة تشكلت بموجب قرار رقم 139/2025 في الأول من يونيو 2025، أي بعد أقل من شهر من إعلان الولايات المتحدة اتهاماتها في مايو 2025، غير أن التقرير الأولي لم يقدم إلا في يوليو 2026، أي بعد أكثر من ثلاثة عشر شهراً من بدء عمل اللجنة. هذا التسويف الممنهج يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة عمل اللجنة خلال هذه الفترة الطويلة خاصة وأن التقرير نفسه لم يقدم تفاصيل دقيقة عن الأنشطة التي تمت خلال معظم هذه المدة واكتفى بعبارات عامة عن اجتماعات وتنسيق وزيارات ميدانية دون تحديد زمني دقيق لها. وإذا كان التقرير قد اعترف بتحديات أثرت على وتيرة العمل فإن هذا الاعتراف لا يبرر فترة امتدت لأكثر من عام كامل، خاصة وأن المزاعم خطيرة وتتعلق بجرائم ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مما كان يوجب سرعة الإنجاز والتعامل مع الملف بأولوية قصوى.

وفي هذا السياق قال المحامية رحاب مبارك، المدافعة عن حقوق الإنسان، “بأنها نشرت تقارير ومعلومات عن منظومة الصناعات الدفاعية بالمستندات تثبت هذه الجريمة، وذكرت إن الشحنة هذه وصلت من الهند. وأصدرت الحكومة الأمريكية مؤخراً عقوبات على منظومة الصناعات الدفاعية ورجال الأعمال الهنود”. ووصفت رحاب هذا التسويف بأنه “سياسة مدروسة لكسب الوقت”، وقالت في إفادة لها: “التأخير لأكثر من 13 شهراً لإنتاج تقرير أولي يخلو من أي تفاصيل جوهرية دليل على أن الهدف كان تمضية الوقت بدلاً من كشف الحقيقة وهذا يندرج تحت عرقلة العدالة في القانون الدولي”.

 

الغموض المنهجي وإخفاء التفاصيل

في ذات السياق، يعاني التقرير من غموض منهجي متعمد في عدة جوانب محورية، فهو لم يوضح تاريخ بدء العمل الميداني الفعلي للجنة كما لم يحدد صلاحياتها بدقة أو الإطار القانوني الذي تستند إليه في تحقيقاتها. والأكثر خطورة أن التقرير خلا تماماً من ذكر أماكن البحث الميداني التي تمت مكتفياً بعبارة “المواقع التي خضعت للتفتيش” دون تسميتها أو تحديد عددها أو طبيعتها. هذا الإخفاء المتعمد للمعلومات المكانية يُقرأ في سياقين: الأول هو حرص الحكومة على عدم تزويد منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بمعلومات دقيقة قد تسمح لها بتوجيه تحقيقاتها المستقلة في المستقبل، والثاني هو محاولة إخفاء أي مكامن ضعف أو تقصير في التغطية الميدانية. غير أن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطر قانونية كبرى، إذ أن عدم الشفافية في التحقيقات يُضعف حجتها أمام المحاكم الدولية ويعتبر قرينة على عدم الجدية في كشف الحقيقة.

وحول هذا الغموض أفادت المحامية رحاب مبارك: “التقرير يخلو من أي تفاصيل مكانية أو زمنية دقيقة، وكأنه صيغ في برج عاجي بعيد عن الميدان. الإخفاء المتعمد لأسماء المواقع التي زعم تفتيشها يطرح سؤالاً كبيراً: هل تم التفتيش أصلاً؟ غياب الشفافية في هذه التفاصيل يكشف أن التحقيق لم يكن جاداً، بل كان استعراضاً شكلياً لتبرئة الحكومة”.

 

التناقض بين النفي المطلق والاحتمالات المفتوحة

يقع التقرير في مفارقة منطقية كبرى إذ ينفي من جهة وجود أي أدلة مادية أو فنية أو وثائقية تدعم استخدام الأسلحة الكيميائية، بينما يُبقي من جهة أخرى الباب مفتوحاً على مصراعيه لتقرير نهائي في حال ظهور أي مستجدات أو معلومات إضافية. هذا الموقف المتناقض يُضعف حجية النفي ذاته، فإذا كانت اللجنة قد توصلت إلى قناعة راسخة بعدم وجود أدلة فلماذا تترك الباب موارباً لمعلومات جديدة؟ وإذا كانت المعلومات غير مكتملة بسبب التحديات التي ذكرتها فكيف جاز لها أن تنفي المزاعم بشكل قاطع؟ هذا الموقف يجعل التقرير أقرب إلى ورقة تكتيكية منها إلى تحقيق علمي محايد، وكأن اللجنة أرادت إرضاء الطرف الحكومي بنفي التهمة مع الاحتفاظ بهامش للتراجع في حال ظهور أدلة دامغة مستقبلاً، وهذا الموقف سيكون مدخلاً قانونياً لتقويض مصداقية التحقيق برمته. وعلّقت المحامية رحاب مبارك على هذا التناقض بإفادة قالت فيها: “كيف يمكن للجنة أن تنفي وجود الأدلة بشكل قاطع، وفي الوقت نفسه تعترف بأن عملها لم يكتمل وتترك الباب مفتوحاً لمعلومات جديدة؟ هذا التناقض يكشف أن التقرير ليس وثيقة علمية، بل ورقة تكتيكية كُتبت لإرضاء الطرف الحكومي مع الاحتفاظ بهامش للتراجع. قانونياً، هذا الموقف يُضعف أي حجة دفاعية ويمكن للمدعين الدوليين استغلاله لقلب الدليل ضد الحكومة نفسها”.

إقصاء منظمة حظر الأسلحة الكيميائية

من أكثر النقاط إثارة للجدل في التقرير هو الإقصاء التام للخبرة الدولية فاللجنة لم تستعن بمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية ولم تطلب منها توفير أي معينات بحث وتحليل وتقصي، ولم تطلب حتى مدها بعينات الفحص والتدقيق المعتمدة التي تستخدم في الكشف عن عوامل كيميائية محظورة. هذا الإقصاء المتعمد للجهة الدولية الأكثر اختصاصاً في هذا المجال يضعف بشكل كبير مصداقية التحقيق، خاصة وأن المزاعم مصدرها الولايات المتحدة، وكان من الأجدر باللجنة أن تحقق في اتهاماتها عبر وسيط دولي محايد لضمان نزاهة النتائج. إن إصرار الحكومة على إجراء تحقيق محلي منفرد في قضية بهذه الحساسية يُقرأ في الأوساط القانونية كدليل على عدم الرغبة في الوصول إلى الحقيقة بل على إنتاج رواية محلية تُبرئ الحكومة بغض النظر عن الأدلة الميدانية. هذا الموقف سيكون له تبعات وخيمة في حال ثبوت استخدام السلاح الكيميائي لاحقاً، إذ ستعني المسؤولية الجنائية للحكومة مضاعفة كونها عرقلت التحقيق الدولي. وفي هذا الشأن قالت المحامية رحاب مبارك: “إقصاء منظمة حظر الأسلحة الكيميائية هو أكبر دليل على عدم نزاهة هذا التحقيق. المنظمة هي الجهة الفنية الوحيدة المخولة بمعاينة العينات وتحليلها وفق بروتوكولات دولية معتمدة. عدم الاستعانة بها يعني أن التقرير يفتقر إلى أي قيمة علمية أو إثباتية أمام أي محكمة دولية. هذا الإقصاء المتعمد ليس سهواً، بل قرار سياسي لإنتاج رواية محلية تبرئ الحكومة مهما كانت الأدلة الميدانية”.

 

التحديات اللوجستية كغطاء للتقصير

اعترفت اللجنة بأربعة تحديات رئيسية: الظروف الأمنية والقيود اللوجستية وتأخر الحصول على السجلات بسبب الحرب وتأخر تبادل المعلومات من الولايات المتحدة. غير أن هذه التحديات، رغم واقعيتها، لا تُبرر عدم الشفافية في التقرير، فالحرب في السودان كانت واقعاً معروفاً منذ البداية، وكان على اللجنة أن تضع خططاً بديلة للتعامل مع هذا الواقع، أو أن تطلب من المنظمة الدولية الدعم اللوجستي لضمان الوصول إلى المواقع. كما أن تأخر المعلومات من الولايات المتحدة كان يمكن تداركه عبر آليات دبلوماسية أو قضائية لكن التقرير لم يشر إلى أي جهد مبذول في هذا الاتجاه. واللافت أن اللجنة أكدت أن هذه التحديات أثرت على وتيرة العمل “ولكن ليس على نزاهته”، وهذا تأكيد لا يمكن التحقق منه في غياب أي معايير موضوعية لقياس النزاهة خاصة في ظل عدم الاستعانة بخبراء دوليين مستقلين. واختتمت المحامية رحاب مبارك إفاداتها بالقول: “استخدام التحديات اللوجستية والأمنية كغطاء للتقصير هو محاولة رخيصة للتغطية على فشل التحقيق. الظروف الأمنية لم تكن وليدة اليوم، وكان على الحكومة أن تطلب مساعدة دولية لضمان الوصول إلى المواقع بدلاً من أن تختفي وراء هذه الأعذار. المأساة أن هذا التقرير الضعيف سيكون دليلاً ضد الحكومة ذاتها في المستقبل، لأنه يثبت عدم جديتها في التعامل مع اتهامات دولية خطيرة”.

 

إشكالية الطبيعة القانونية للتقرير

يُعد التقرير بمثابة رد رسمي للحكومة على اتهامات دولية وبالتالي فإن له تبعات قانونية بالغة الخطورة، فبموجب القانون الدولي عندما تقدم دولة رداً رسمياً على اتهامات بارتكاب جرائم حرب فإنها تتحمل كامل المسؤولية الجنائية عن محتوى هذا الرد، فإذا تم لاحقاً إثبات صحتها التي نفتها فإن ذلك سيشكل قرينة على التضليل والعرقلة مما يضاعف العقوبات الدولية وهذا ما يضع الحكومة في مأزق قانوني حقيقي فالتقرير الحالي ضعيف ومهتز من الناحية الإجرائية وقد استند إلى تحقيق وطني غير شفاف مما يجعله عرضة للطعن أمام أي محكمة دولية. وإذا ما تطور الملف ليصل إلى المحكمة الجنائية الدولية فإن فريق الادعاء سيعتمد على هذا التقرير بالذات لإثبات أن الحكومة لم تتعامل بجدية مع الاتهامات، وهو ما سيكون مدخلاً قوياً لإدانتها ليس فقط باستخدام السلاح المحظور بل بعرقلة سير العدالة أيضاً.

 

في المحصلة يظهر تقرير اللجنة كوثيقة تحمل تناقضات داخلية وغموضاً متعمداً يجعلها أقرب إلى بيان دفاعي سياسي منها إلى تحقيق علمي محايد. فالتسويف في الإعداد والغموض في المنهجية وإقصاء الخبرة الدولية والتناقض في النتائج كلها مؤشرات على عدم الجدية في كشف الحقيقة وتعطي انطباعاً بأن الحكومة تسعى إلى كسب الوقت وإنتاج رواية تبرئها بأي ثمن بدلاً من التعاون الكامل مع الآليات الدولية للوصول إلى الحقيقة. هذا الموقف سيكلف السودان غالياً على المستوى القانوني والدبلوماسي خاصة وأن المجتمع الدولي أصبح يمتلك أدوات متطورة لكشف حقيقة استخدام الأسلحة المحظورة ولا يمكن التلاعب بها عبر تقارير وطنية غير شفافة. والأسوأ من ذلك أن هذا التقرير الضعيف قد يستخدم كدليل إدانة ضد الحكومة ذاتها في حال ظهور أدلة جديدة لاحقاً، مما يجعل الموقف السوداني في المحافل الدولية أكثر هشاشة ويعمق عزلة البلاد ويطيل أمد معاناة المدنيين الذين يدفعون الثمن الأغلى في هذه الحرب اللعينة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *