اسوار الصمت
العنف الرقمي في وقت الحرب .. كيف اصبح سلاحا لاقصاء النساء من المجال العام
تقرير : خالد أحمد – محمد عبدالله
“لقد فكرت كثيراً في ترك المجال العام والابتعاد عن كل شيء”.
بهذه الكلمات تختصر الناشطة النسوية والمدافعة عن حقوق الإنسان تهاني عباس أثر العنف الرقمي الذي يمارس على النساء الفاعلات في المجالين السياسي والحقوقي؛ إذ لا تتوقف حملات الاستهداف عند حدود الإساءة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وإنما تمتد إلى حياتهن الشخصية وأسرهن وصحتهن النفسية، وتضع بعضهن أمام خيار صعب بين الاستمرار في العمل العام أو الانسحاب منه.
تهاني واحدة ممن اخترن الاستمرار رغم ما تعرضت له من حملات استهداف عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتربط تصاعد العنف الرقمي ضد النساء الفاعلات في المجال العام بالحرب التي اندلعت في السودان، وما صاحبها من انقسام واستقطاب حاد داخل المجتمع، وتقول إن أطرافاً في الصراع تستخدم غرفاً إعلامية لشن حملات تستهدف الناشطات والمدافعات عن حقوق الإنسان، إلى جانب النساء المشاركات في عمليات السلام والتفاوض.
وتستعيد عباس إحدى تجاربها خلال مشاركتها في جولة نقاش حول عملية السلام في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، قائلة إن ظهور صورتها وسط المشاركين أعقبه استهداف عبر الإنترنت، كما جرى بحسب شهادتها، تداول مقطع فيديو ظهرت فيه مع عدد من الفاعلين السياسيين من بينهم رئيس الوزراء السوداني الأسبق الدكتور عبد الله حمدوك، على نطاق واسع مصحوباً بتعليقات سلبية، وترى أن الهدف من ذلك كان إقصاء النساء من الفضاء العام.
وتقول إن أشكال الاستهداف التي تواجهها النساء تشمل فبركة الصور وإشانة السمعة وخطاب الكراهية والتحريض، وإن آثارها لا تتوقف عند المرأة المستهدفة وحدها، بل تصل إلى أسرتها أيضاً، وتضيف: “هذه الحملات تؤثر علينا وعلى أسرنا خاصة أن الإساءات الشخصية تهزنا نفسياً”، مشيرة إلى أن غياب الدعم النفسي للمدافعات عن حقوق الإنسان اللاتي يتعرضن للعنف الرقمي يمثل أحد التحديات التي تزيد من وطأة التجربة.
وفي تعريفها للعنف عبر الإنترنت، تشير منظمة العفو الدولية إلى انه احد اشكال السلوك التي تشمل التنمر والمضايقات وحملات التشهير، ويمكن أن تمارسها جهات حكومية وغير حكومية.
عنف منظم
لا تقف رواية الاستهداف عند تجربة تهاني؛ فالقيادية في منظمة “لا لقهر النساء” رابحة إسماعيل ترى أن العنف الرقمي ضد النساء أصبح أكثر تنظيماً في سياق الصراع السوداني، وتقول إن أطرافاً في الحرب تستخدم غرفاً إعلامية للهجوم على النساء عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وتصف رابحة العنف الرقمي بأنه أصبح “أحد أسلحة الحرب ضد النساء”، مشيرة إلى أن الناشطات والمدافعات عن حقوق الإنسان والنساء الفاعلات في المجال العام من بين الأكثر تعرضاً للتشهير والابتزاز والاستهداف الرقمي، وترى أن جانباً من هذه الحملات يستهدف التشكيك في قدرات النساء وإضعاف مشاركتهن ودفعهن بعيداً عن العمل العام، وتقول إن بعض النساء تركن بالفعل أنشطة عامة نتيجة لهذه الضغوط.
وبحسب إسماعيل، لا تظل آثار بعض حالات الاستهداف حبيسة الفضاء الرقمي، إذ تشير إلى حالات قالت إن حملات عبر وسائل التواصل الاجتماعي سبقتها أو رافقتها اعتداءات تعرضت لها ناشطات سياسيات ومحاميات على أرض الواقع، وترى أن مواجهة الظاهرة تتطلب العمل على أكثر من مسار. من بينها حملات التضامن مع المستهدفات، وتدريب الناشطات على الأمن الرقمي لحماية حساباتهن من الاختراق والاستيلاء، إلى جانب الضغط على شركات منصات التواصل الاجتماعي، لا سيما “فيسبوك”، لتعزيز استجابتها وعدم السماح بنشر محتوى أو حملات منظمة تستهدف الناشطات، بما في ذلك إزالة المحتوى وإغلاق الحسابات التي تشارك في استهداف النساء.
وإذا كانت الحرب قد منحت الظاهرة سياقاً أكثر حدة، فإن تجربة القيادية بتجمع المهنيين هيفاء فاروق” حرازة”، تكشف أن استهداف النساء رقمياً في السودان سبق اندلاعها بسنوات، وتعيد هيفاء بداية تجربتها إلى عام 2014، عبر صفحة على فيسبوك كانت بحسب شهادتها، تنتهك خصوصية الناشطات وتنشر أرقام هواتفهن بصورة علنية، ما أدى إلى تلقيها عدداً كبيراً من المكالمات والمضايقات واضطرها في النهاية إلى تغيير رقم هاتفها.
لكن التجربة أخذت شكلاً آخر بعد اختيارها خلال الفترة الانتقالية لعضوية المجلس الأعلى للسلام، وتقول إن حملات عبر فيسبوك بدأت تستهدفها بنشر صورها والسخرية منها، مضيفة أن “التكلفة النفسية لهذه الحملات باهظة”، وأنها تسببت لها في إجهاد نفسي وقلق مستمر، لكنها لم تدفعها إلى التوقف عن نشاطها العام.
وتقول هيفاء إنها احتفظت بأدلة رقمية توثق بعض حملات إشانة السمعة التي تعرضت لها، إلا أن محاسبة المسؤولين عنها تصطدم وفق تجربتها، بعقبات تتعلق بوجود أشخاص في دول مختلفة، وما يترتب على ذلك من إجراءات قانونية معقدة ومكلفة وطويلة، فضلاً عن محدودية آليات الملاحقة العابرة للحدود.
تحليل رقمي
ولفهم طبيعة العنف الرقمي واتساع أنماطه، أُجرينا لأغراض هذا التقرير استطلاع شمل 20 سودانية من الناشطات والصحفيات والمدافعات عن حقوق الإنسان والفاعلات في المجالين السياسي والمجتمعي.
وعند تحليل النتائج وجدنا أن جميع المشاركات أفدن بتعرضهن لشكل من أشكال العنف الرقمي منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، فيما تنوعت أشكال الاستهداف وتداخلت لدى عدد منهن.
وتصدر التحرش الإلكتروني وخطاب الكراهية أو التحريض قائمة الأنماط التي تعرضت لها المشاركات، بواقع 12 مشاركة لكل منهما، تليهما محاولات الاختراق أو الوصول إلى الحسابات لدى 10 مشاركات، ثم التهديد لدى 7 والتشهير لدى 4، إلى جانب حالات لنشر الصور أو المعلومات الشخصية أو إساءة استخدامها وانتحال الهوية، وبرزت منصة “فيسبوك” باعتبارها المنصة الأكثر حضوراً في تجارب الاستهداف، إذ ذكرتها 19 مشاركة، تليها واتساب لدى 11 مشاركة، فيما ظهرت بدرجات أقل منصات ووسائل أخرى شملت البريد الإلكتروني وإنستغرام وتيك توك.

شكل (1): المنصات والوسائل التي وقع عبرها الاستهداف

شكل (2): أشكال العنف الرقمي التي تعرضت لها المشاركات
أما من حيث طبيعة الاستهداف، وما إذا كان فردياً أم منظماً، فقد رأت 7 مشاركات أن ما تعرضن له كان مزيجاً من التصرفات الفردية والحملات المنظمة، واعتبرت 5 مشاركات أنه تصرفات فردية بينما وصفته مشاركتان بأنه حملة منظمة أو منسقة، وقالت 6 مشاركات إنهن لا يستطعن تحديد طبيعته، وتكشف هذه النتائج عن صعوبة التمييز، من موقع الضحية وحدها، بين الإساءة الفردية والاستهداف المنسق، وهي مسألة تتطلب تحليلاً تقنياً لسلوك الحسابات وأنماط نشاطها وشبكات التفاعل بينها.

شكل (3): طبيعة الهجمات بحسب تقدير المشاركات
وتظهر النتائج أن آثار العنف الرقمي تجاوزت حدود الفضاء الرقمي إلى الحياة اليومية للمشاركات؛ فقد قالت 14 مشاركة إن الاستهداف أثر في صحتهن النفسية، وذكرت 8 أنه حد من نشاطهن على وسائل التواصل الاجتماعي، فيما أفادت 6 بأنه جعلهن يشعرن بالخوف على سلامتهن وسلامة أسرهن، وقالت 5 إنه أثر في عملهن ونشاطهن العام، كما دفعت التجربة بعض المشاركات إلى حذف محتوى وإغلاق حسابات، ووصل أثرها لدى أخريات إلى تغيير مكان الإقامة ونمط الحياة.

شكل (4): آثار الهجمات الرقمية على المشاركات
وتكشف النتائج ان مغادرة السودان لم توفر، بالضرورة، نهاية للاستهداف، 10 من المستطلعات قلن إن العنف الرقمي ازداد بعد مغادرة البلاد أو خلال اللجوء، بينما أفادت 3 بأنه استمر بالمستوى نفسه، وقالت مشاركتان إنه انخفض ومشاركة واحدة إنه توقف فيما لم تستطع مشاركتان تحديد التغيير، وقالت مشاركتان إنهما لم تغادرا السودان، وبذلك فإن 13 من أصل 18 مشاركة غادرن السودان أفدن إما بزيادة العنف الرقمي أو استمراره بالمستوى نفسه.

شكل (5): تغير العنف الرقمي بعد مغادرة السودان أو خلال اللجوء
وفي مقابل ذلك تكشف النتائج عن فجوة واضحة بين التعرض للعنف الرقمي والتوثيق والوصول إلى آليات المساءلة؛ إذ قالت 10 مشاركات إنهن لم يحتفظن بالأدلة ولم يقدمن بلاغاً، بينما احتفظت 8 مشاركات بالأدلة دون تقديم بلاغ، وقدمت مشاركة واحدة بلاغاً دون الاحتفاظ بالأدلة، فيما فضلت أخرى عدم الإجابة، وبحسب الإجابات المسجلة لم تفد أي مشاركة بأنها جمعت بين الاحتفاظ بالأدلة وتقديم بلاغ.

شكل (6): الاحتفاظ بالأدلة والإبلاغ عن الانتهاكات
وعند سؤال المشاركات عن احتياجاتهن لمواجهة الظاهرة، جاء التدريب على الأمن والسلامة الرقمية في المقدمة باختيار 18 مشاركة، تليه الحماية القانونية الفعالة لدى 17، والدعم النفسي والاجتماعي لدى 15، وتوثيق الانتهاكات وملاحقة مرتكبيها لدى 13، ثم الاستجابة الأسرع والأكثر فاعلية من منصات التواصل الاجتماعي لدى 10 مشاركات.

شكل (7): الاحتياجات الأكثر إلحاحاً لمواجهة العنف الرقمي
ورغم أن محدودية حجم العينة لا تسمح بتعميم هذه النتائج على جميع النساء السودانيات، فإنها تقدم مؤشرات وصفية مهمة تتقاطع مع الشهادات التي يوثقها هذا التقرير.
تتبع الحملات
لفهم البيئة المنتجة للعنف الرقمي تحدثنا للخبير في الامن الرقمي المهندس يوسف حليم حيث قال ان كثافة التعليقات على منشور في منصة فيسبوك لاتعني وجود حملة المنظمة ويجب تحليل التفاعلات حيث تبدا بدراسة سلوك الحسابات المشاركة في النشر وتوقيت نشاطها، ومدى تكرار المحتوى نفسه أو الصور والروابط والوسوم، إلى جانب أنماط الإعجاب والمشاركة والإشارات المتبادلة بين الحسابات.
ويوضح حليم أن التحليل يشمل أيضاً تاريخ إنشاء الحسابات ومعدلات النشر وتغيير أسماء المستخدمين متى كانت هذه المعلومات متاحة، إلى جانب أنماط المتابعين والتفاعل، ويمكن استخدام تحليل الشبكات لفحص العلاقات بين الحسابات ومعرفة ما إذا كانت تتحرك بصورة مترابطة حول أشخاص أو موضوعات محددة.
ويضيف أن بعض الحملات قد تعتمد على حسابات وهمية أو على نشر متزامن، ويمكن لتحليل الشبكات تحويل أنماط التفاعل إلى خريطة تكشف مجموعات مترابطة (Clusters) من الحسابات التي تتحرك بصورة متقاربة وتساعد في تحديد الحسابات التي تلعب دوراً مركزياً في نشر المحتوى أو تضخيمه، غير أن وجود حسابات وهمية أو تشابه المنشورات لا يكفي بمفرده لإثبات أن الهجوم تقف خلفه جهة محددة؛ إذ يتطلب ذلك جمع أكثر من مؤشر وتحليل العلاقات والسلوك والتوقيت.
وحول إمكانية الحصول على أدلة رقمية يمكن الاستناد إليها في فتح قضايا قانونية، يقول خبير الأمن الرقمي يوسف حليم إن من الممكن تتبع عناوين بروتوكول الإنترنت (IP Addresses). ويشدد على أهمية الاحتفاظ بلقطة الشاشة (Screenshot) والرابط الأصلي للمحتوى ومعرف الحساب (ID)، إلى جانب تسجيل تاريخ الواقعة وتوقيتها، بما يساعد على حفظ سياقها وعدم الاكتفاء بصورة قد يصعب لاحقاً التحقق من مصدرها.
كما ينصح بأن تبدأ الاستجابة للحادثة بإجراء تقييم للمخاطر عبر طرح مجموعة من الأسئلة الأساسية تتمثل في هل جرى كشف أو نشر معلومات شخصية او تهديدات مباشرة او ظهرت محاولات تصيد احتيالي أو طلبات غير معتادة لإعادة تعيين كلمة المرور او مؤشرات على محاولة الوصول إلى الحساب،حيث تساعد الإجابة عن هذه الأسئلة على تحديد مستوى الخطر واتخاذ الإجراءات المطلوبة لحماية المرأة المستهدفة وحساباتها.
انظمة الابلاغ
لا تنتهي مسارات الحماية عند القانون، إذ تمثل منصات التواصل الاجتماعي نفسها ساحة الاستهداف والجهة التي ينتظر منها في الوقت ذاته التعامل مع جانب من المحتوى المسيء والحسابات التي تنشره.
وفي هذا الإطار يوضح المتخصص في سياسات المنصات الرقمية المهندس سليمان أحمد، أن منصات التواصل تعتمد على أنظمة للإبلاغ، إلى جانب أدوات المراجعة الآلية والبشرية للتعامل مع أشكال من المحتوى تشمل التهديد والتحرش وخطاب الكراهية وانتهاكات الخصوصية وانتحال الهوية، إلا أن فاعلية هذه الآليات تختلف من حالة إلى أخرى.
وفي السياق السوداني، يشير سليمان إلى تحديات تتعلق بفهم اللغة واللهجات والسياق المحلي، وهو ما قد يؤدي بحسب تقديره، إلى مرور بعض أشكال الإساءة أو التحريض دون استجابة مناسبة، كما أن إزالة حساب مسيء لا تعني بالضرورة انتهاء المشكلة، إذ يمكن أن يظهر حساب آخر بينما يستطيع المحتوى الانتقال بسرعة بين حسابات ومنصات مختلفة.
ويرى سليمان أن المشكلة لا تتمثل دائماً في غياب السياسات، وإنما في مدى فاعلية تطبيقها داخل السياقات المحلية خصوصاً في بيئات النزاع التي قد يتداخل فيها الاستهداف السياسي مع العنف القائم على النوع الاجتماعي.
أما في حالات الحملات المنظمة فيشير إلى أن المنصات تستطيع تحليل أنماط النشر والتفاعل والعلاقات بين الحسابات واتخاذ إجراءات ضد الحسابات أو الشبكات المخالفة.
و يرى أن تحسين الاستجابة في الحالة السودانية يتطلب سرعة أكبر في التعامل مع الحالات عالية الخطورة وفهماً أفضل للسياق المحلي، والاستفادة من الخبرات المحلية إلى جانب تعزيز التعاون بين المنصات ومنظمات المجتمع المدني والجهات المتخصصة في الحماية الرقمية.
وبين محدودية الوصول إلى المسارات القانونية وتفاوت استجابة المنصات، تجد النساء أنفسهن أمام مسؤولية كبيرة في حماية حساباتهن وتوثيق ما يتعرضن له، ولهذا لا تبدو مطالب المشاركات في الاستبيان منفصلة عن تجاربهن، إذ جاء التدريب على الأمن والسلامة الرقمية والحماية القانونية الفعالة والدعم النفسي والاجتماعي وتوثيق الانتهاكات وملاحقة مرتكبيها في مقدمة الاحتياجات التي حددنها لمواجهة الظاهرة.
ملاحقة اللاجئات
لم تكن مغادرة السودان كافية لإنهاء الاستهداف بالنسبة إلى النساء الفاعلات في المجال العام ، فبينما دفعت الحرب ملايين السودانيين إلى البحث عن الأمان خارج البلاد، ظلت منصات التواصل مساحة يمكن أن تعبر من خلالها آثار الاستقطاب والصراع الحدود الجغرافية لتلاحق نساء واصلن نشاطهن أو التعبير عن مواقفهن من المنفى.
حيث تحكي الناشطة في المجتمع المدني مروة محمد – مقيمة بالعاصمة اليوغندية كمبالا – تجربتين مختلفتين مع العنف الرقمي، وقعت كلتاهما بعد مغادرتها السودان، بدأت الأولى عام 2024، عقب نشرها محتوى عن انتهاكات قالت إن الجيش السوداني ارتكبها بحق المدنيين، لتواجه عبر فيسبوك اتهامات بالانتماء إلى قوات الدعم السريع، أما الثانية فجاءت في 8 مارس 2025.
عقب نشر صور لفعالية رياضية نسائية نظمت بمناسبة اليوم العالمي للمرأة بمعسكر كرياندونغو الذي يقع في شمال يوغندا ، حيث تعرضت المشاركات لإساءات وألفاظ بذيئة بسبب ممارستهن الكرة الطائرة في مساحة عامة.
وتفرق مروة بين التجربتين؛ إذ تصف الاستهداف الأول بأنه فردي ومرتبط بحالة الاستقطاب وشيطنة الأصوات الرافضة للحرب، بينما رأت في الهجوم الثاني استهدافاً أوسع طال المنظمة الراعية للفعالية والنساء المشاركات فيها، وربطته بمحاولات التضييق على المساحات الرياضية المتاحة للنساء.
ورغم أن التجربة الأولى لم تؤثر في موقفها أو نشاطها، فإن الثانية تركت أثراً نفسياً مباشراً عليها، وتقول: “بعد قراءة التعليقات فكرت في التوقف عن ممارسة الكرة الطائرة، وراودني القلق من رد فعل أسرتي”، لكنها تقول أنها واصلت ممارسة الرياضة وتنظيم الأنشطة مدفوعة بالتضامن الذي وجدته من محيطها.
وعلى بعد مئات الكيلومترات من كمبالا، تقدم اللاجئة في مخيم كرياندونقو بأوغندا سميرة الطاهر، وجهاً آخر للتجربة، وتقول إن استهدافها أصبح أكثر وضوحاً بعد اندلاع الحرب ومغادرتها السودان. وارتبط بما تنشره عن الحرب وأوضاع المدنيين والنساء واللاجئين، وتعرضت عبر فيسبوك وماسنجر للتنمر والتعليقات المسيئة والتقليل من شأنها كامرأة فيما انتقلت بعض الهجمات من مناقشة مواقفها إلى حياتها الشخصية ووضعها كلاجئة.
ورغم أنها تصف جانباً من تلك الاعتداءات بأنه فردي، فإنها لاحظت في بعض الأحيان ارتفاعاً مفاجئاً في حجم الهجوم وتكرار عبارات واتهامات متشابهة من حسابات متعددة، ولا تجزم سميرة بهوية من يقف خلف ذلك، لكنها تربط ما تعرضت له بحالة الاستقطاب التي جعلت التعبير عن موقف من الحرب سبباً لتصنيف صاحبه وربطه بأحد أطرافها.
وتكشف تجربتها أن أثر الاستهداف لا يتوقف عند منصات التواصل الاجتماعي إذ دفعها تكرار الإساءة أحياناً إلى التردد قبل التعبير عن رأيها. فيما أصبح خوف الأسرة من تطور الهجوم أو تأثيره على سمعتها مصدراً إضافياً للضغط، ورغم احتفاظها ببعض لقطات الشاشة فإنها لم تلجأ إلى القضاء مشيرة إلى ضعف المعرفة بالإجراءات القانونية والحماية الرقمية وسط اللاجئات في المخيم.
وتلخص سميرة تجربتها بالقول “خرجنا من الحرب بحثاً عن الأمن والأمان ولكننا لم نأمن؛ لأن المشكلات عبرت معنا الحدود وأصبحت ترافقنا من خلال الأسافير ووسائل التواصل الاجتماعي التي بدلاً من أن تكون وسيلة للتواصل مع الأصدقاء والأهل والاطمئنان عليهم، أصبحت في كثير من الأحيان كابوساً يلاحقنا”.
وتتقاطع تجربتا مروة وسميرة مع نتائج استبيان التقرير؛ إذ قالت 10 مشاركات إن العنف الرقمي ازداد بعد مغادرة السودان أو خلال اللجوء، فيما أفادت ثلاث باستمراره بالمستوى نفسه، وهي نتيجة تشير ضمن حدود عينة الاستبيان إلى أن الانتقال إلى مكان أكثر أمناً جغرافياً لا يؤدي بالضرورة إلى إنهاء الاستهداف في الفضاء الرقمي.
الإبعاد من المجال العام
خلف الإساءات والتشهير والتهديد، ترى فاعلات في المجتمع المدني والصحافة والعمل السياسي أن جانباً من العنف الرقمي الموجه ضد النساء يتجاوز مهاجمة آرائهن إلى محاولة إسكاتهن وتقليص حضورهن في المجال العام، مستفيداً من الاستقطاب الذي عمقته الحرب ومن الضغوط الاجتماعية التي قد تتعرض لها المرأة وأسرتها عندما تصبح هدفاً لحملة علنية عبر منصات التواصل.
وترى القيادية في منظمة السلام والكرامة الإنسانية منال الأول، أن العنف الرقمي ضد السودانيات ازداد منذ اندلاع الحرب من حيث الحجم والتنوع خصوصاً مع نشاط النساء في الدعوة إلى وقف الحرب وحماية المدنيين، ورغم عدم توفر إحصاءات محددة لدى منظمتها، تقول إن الظاهرة أصبحت واسعة وإن الناشطات والمدافعات عن حقوق الإنسان من بين الفئات الأكثر تعرضاً لها.
وتحدد منال التنمر والسخرية والتهديد والتلفيق والتشويه بالأكاذيب ضمن الأنماط المتكررة التي رصدتها.
وترى أن الهدف من هذه الحملات هو إسكات النساء وإبعادهن عن الفضاء العام، وتقول إن هذه الضغوط نجحت في بعض الحالات في تقليص نشاط بعض النساء ودفع أخريات إلى الانزواء، فيما جعل النزوح واللجوء النساء أكثر هشاشة نتيجة تراجع أشكال الحماية والسند الاجتماعي، إلى جانب التحديات القانونية وضعف التدريب على التعامل مع الاستهداف الرقمي.
ومن زاوية صحفية تضع الكاتبة الصحفية رشا عوض الظاهرة ضمن السياق الأوسع لخطاب الكراهية الذي صاحب الحرب، وترى أن النزاعات ترفع حدة الخطاب الذي يحقر النساء، وأن الصحفيات والناشطات والمدافعات عن حقوق الإنسان خصوصاً صاحبات المواقف المستقلة والرافضة للحرب، يصبحن أكثر عرضة للاستهداف بسبب تحديهن لسرديات أطراف النزاع وكشفهن للانتهاكات.
وترى عوض أن خطورة هذا النوع من العنف تكمن في قدرته على الاستفادة من الضغوط الاجتماعية المحيطة بالمرأة، بحيث لا تبقى كلفة التشهير والإساءة محصورة في الشخص المستهدف وإنما قد تمتد إلى أسرته ومحيطه، وبحسب شهادتها يمكن لهذه البيئة أن تدفع بعض النساء إلى التردد في دخول المجال العام من الأساس أو التعبير عن آراء مستقلة، فيما قد تمتد بعض التهديدات من الفضاء الرقمي إلى الواقع.
وتضع عوض التعليقات المسيئة والتشهير والتجريح الشخصي والحملات المتعلقة بالسمعة ضمن أبرز الأنماط التي تواجهها النساء مع تركز جانب كبير منها على منصة “الفيسبوك”، كما تشير إلى صعوبات تواجه الوصول إلى الحماية، من بينها ضعف التعامل مع بعض أشكال المحتوى العربي “السوداني” وتعقيد مسارات الشكوى والتقاضي.
أما الناشطة السياسية عبلة محمد عثمان حامد كرار، فترى أن الظاهرة أقدم من الحرب الحالية لكنها اتسعت مع تصاعد خطاب الكراهية والاستقطاب والتحريض منذ اندلاع القتال، وتشير إلى أن النساء ذوات الحضور السياسي والحقوقي والمدني والإعلامي من بين الفئات التي تواجه هذا الاستهداف، وتضع إسكات النساء وترهيبهن ودفعهن بعيداً عن المجال العام في قلب دوافع جانب من هذه الحملات.
وبحسب كرار، تشمل الأنماط التي رصدتها الاستهزاء بالمظهر والتمييز على أساس النوع الاجتماعي والتنمر والتعليقات المسيئة المرتبطة بآراء النساء ونشاطهن، وترى أن اللجوء أضاف طبقة أخرى من التعقيد، إذ قد توجد المرأة المستهدفة والشخص أو الجهة التي تستهدفها في دولتين مختلفتين بما يثير صعوبات تتعلق بالحماية والمساءلة القانونية العابرة للحدود.
ولا تبدو فكرة الإبعاد من المجال العام مجرد توصيف تقدمه النساء؛ إذ تتقاطع مع نتائج الاستبيان الذي أُجريناه لأغراض التقرير، حيث أفادت مشاركات بأن العنف الرقمي أثر في نشاطهن على وسائل التواصل وفي عملهن أو نشاطهن العام، فيما دفعت التجربة بعضهن إلى حذف محتوى أو إغلاق حسابات، وبذلك يتحول الأثر في بعض الحالات من إساءة موجهة إلى امرأة بعينها إلى ضغط يمكن أن يحد من مساحة مشاركتها وصوتها في المجال العام.
أذى يتجاوز الفضاء الرقمي
لا تتوقف آثار العنف الرقمي عند لحظة قراءة تعليق مسيء أو مشاهدة منشور يتضمن تشهيراً أو تحريضاً، إذ يمكن أن تمتد إلى الصحة النفسية والشعور بالأمان وطريقة استخدام وسائل التواصل، وصولاً إلى علاقة المرأة بالعمل العام نفسه، وفي سياق الحرب والنزوح، قد يصبح هذا الأثر أكثر تعقيداً بالنسبة إلى نساء تعرضن أصلاً لتجارب ضاغطة قبل أن يواجهن استهدافاً جديداً عبر الفضاء الرقمي.
ومن زاوية نفسية، ترى نائب أخصائي في الطب النفسي الدكتورة منى الأمين، ، أن خصوصية العنف الرقمي تكمن في قدرته على ملاحقة الضحية عبر الفضاء الافتراضي، إلى جانب سرعة انتشار الإساءة وإمكانية استمرارها.
وتقول إن التعرض المتكرر أو الممنهج لهذا النوع من العنف بالنسبة إلى امرأة مرت بتجربة الحرب أو النزوح، يمكن أن يعيد إنتاج الصدمة، وأن يرتبط بالقلق والاكتئاب وفقدان الثقة بالنفس. ولا يبقى الأثر نفسياً فقط وإنما يمكن أن ينعكس على سلوك المرأة ومشاركتها العامة، فتتجنب بعض الأنشطة أو تنسحب من الفضاء العام خوفاً من الهجمات، فيما يمكن لحملات التحريض والتهديد والتشويه أن تخلق حالة مستمرة من الخوف والضغط النفسي.
وتضع الأمين الدعم الأسري والاجتماعي وشبكات الحماية والخدمات النفسية المتخصصة، والتدريب على الصمود والتعامل مع العنف الرقمي ضمن العوامل التي يمكن أن تساعد الضحايا على التعافي.
كما ترى أن الظاهرة في سياق الحرب والنزوح يمكن أن تتجاوز مفهوم الإساءة الإلكترونية لتصبح شكلاً من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي عندما تستخدم لاستهداف النساء والناشطات بصورة ممنهجة وتتداخل مع ظروف النزوح والتهميش.
ومن زاوية أخرى، تشرح اختصاصية الطب النفسي الدكتورة ناهد محمد الحسن الخصائص التي تجعل أثر العنف الرقمي مختلفاً عن كثير من أشكال العنف التي تحدث في مكان وزمان محددين، وتضع في مقدمتها غياب الملاذ الآمن، إذ يمكن للمحتوى المسيء أن يصل إلى الضحية أينما كانت عبر هاتفها ومنصات التواصل الاجتماعي، فلا تكون مغادرة المكان الذي بدأ فيه الاستهداف كافية بالضرورة لإنهائه.
وتشير الحسن إلى العلنية بوصفها خاصية ثانية تزيد من وطأة التجربة، لأن الإساءة قد تحدث أمام جمهور يشاهد ويعلق ويشارك وربما ينضم إلى الهجوم، بما يحول التجربة من استهداف فردي إلى إذلال علني أمام مساحة أوسع من المستخدمين.
أما الخاصية الثالثة وفق الحسن، فهي الديمومة والقابلية لإعادة الإنتاج، فلقطات الشاشة ومقاطع الفيديو والتعليقات المسيئة يمكن الاحتفاظ بها وإعادة تداولها، وقد تعود إلى الظهور بعد فترة وفي سياقات مختلفة، وهو ما يجعل أثر الإساءة قابلاً للتجدد حتى بعد توقف الحملة الأصلية.
وتضيف إلى ذلك غموض هوية الفاعل وتشتت المسؤولية خاصة عندما تشارك في الهجوم حسابات مجهولة أو وهمية، وترى أن عدم معرفة مصدر التهديد أو مدى احتمالية تكراره يزيد صعوبة تقييم الخطر، ويمكن أن يصبح في حد ذاته مصدراً للقلق المستمر.
وبحسب الحسن، قد يصل الأثر في بعض الحالات إلى الانسحاب الكامل من النشاط العام باعتباره محاولة من الضحية لحماية صحتها النفسية، كما ترى أن البعد السياسي قد يكون حاضراً في بعض حملات العنف الرقمي التي تستهدف النساء الفاعلات بهدف دفعهن إلى الانسحاب، بحيث لا يقتصر أثر الحملة على المرأة المستهدفة وحدها وإنما يمكن أن يحمل رسالة ترهيب إلى أخريات.
وتتقاطع هذه القراءة النفسية مع ما أظهره استبيان التقرير، حيث جاء الأثر على الصحة النفسية في مقدمة التداعيات التي أبلغت عنها المشاركات، إلى جانب الحد من النشاط على وسائل التواصل والخوف على السلامة الشخصية أو سلامة الأسرة، وهي نتائج تضع الأثر النفسي في صلب الظاهرة لا باعتباره نتيجة جانبية للإساءة، وإنما أحد المسارات التي يمكن من خلالها أن يؤثر العنف الرقمي في حضور النساء داخل المجال العام.
ضعف القوانين .. فجوة الحماية والمساءلة
بينما تكشف شهادات النساء ونتائج الاستبيان عن تعدد أشكال العنف الرقمي وآثاره، تظل قدرة الضحايا على الوصول إلى الحماية والمساءلة أحد التحديات الرئيسية خصوصاً في ظل الحرب.
وفي هذا السياق يقول الخبير القانوني المحامي معز حضرة إن الفضاء الرقمي في السودان يخضع أساساً لقانون جرائم المعلوماتية لسنة 2007 وتعديلاته اللاحقة، إلى جانب القواعد العامة المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991.
ويتضمن الإطار القانوني جرائم متعلقة بالأنظمة والمعلومات والمحتوى والإساءة وإشانة السمعة. ويرى حضرة أن الإطار القانوني الحالي يعاني من ثغرات في مواكبة التطورات المتسارعة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ويقول إنه رغم وجود مواد قانونية تتناول بعض صور الإساءة الرقمية، فإن القانون يحتاج إلى تحديث وإضافة نصوص تستجيب للجرائم الإلكترونية المستحدثة.
ولا يحصر حضرة المشكلة في النصوص القانونية وحدها، إذ يشير إلى محدودية الخبرات لدى بعض الأجهزة العدلية في التعامل مع المستجدات التكنولوجية مما قد يؤثر في بناء قضايا مكتملة أمام القضاء.
ويضيف أن الحرب أضعفت الوصول إلى العدالة في وقت يتسع فيه خطاب الكراهية وحملات التحريض المرتبطة بالصراع، وتصبح المسألة أكثر تعقيداً بالنسبة إلى النساء الموجودات خارج السودان، خاصة عندما تكون الضحية في دولة بينما يوجد الشخص الذي يستهدفها في دولة أخرى.
وفي هذا السياق يقترح حضرة أن تلجأ المتضررات إلى فتح بلاغات في الدول التي يقمن فيها بهدف توثيق الوقائع وحفظ الأدلة، بما قد يتيح الاستفادة منها لاحقاً في إجراءات قانونية بما في ذلك داخل السودان.
و بالعودة لنتائج سؤال الاستبيان عن حفظ الادلة او فتح بلاغات جنائية وجدنا بين المشاركات العشرين 10 من المستطلعات قلن إنهن لم يحتفظن بالأدلة ولم يقدمن بلاغاً، بينما احتفظت 8 بالأدلة دون تقديم بلاغ، وبحسب الإجابات المسجلة لم تفد أي مشاركة بأنها جمعت بين الاحتفاظ بالأدلة وتقديم بلاغ.
