معلومات التواصل

السودان،الخرطوم،الرياض

متواجدون على مدار الساعة

البوكسي… شاهد على انهيار الدولة

 

استقصائي – تقارير 

 

منذ طلقتها الأولى، بدا وكأن “البوكسي” أحد أبرز أبطال الحرب السودانية العبثية التي تمضي نحو عامها الرابع. لا يكاد يمر يوم من دون أن يحضر اسمه في خبر أو رواية، بعدما ارتبط في بدايات الحرب بالأغنية التي تحولت إلى “ترند”: “عشان أم قرون بركب الحديد بوكسي”. لكن ما لبث أن تحول من مجرد رمز شعبي إلى شاهد على التحولات العنيفة التي أصابت المجتمع السوداني.

كان “البوكسي” في الذاكرة السودانية عربة تحمل جثامين الموتى إلى المقابر، تحيط بها جموع المشيعين والدعوات، فإذا به اليوم يتحول إلى وسيلة تقرب صاحبها من الموت أكثر من أي وقت مضى، حتى غدا امتلاكه مغامرة قد تنتهي بجريمة قتل أو عملية نهب مسلح.

قبل نحو أسبوعين، ضجت منصات التواصل بإعلان فقدان الشاب زكي الدين ساري، الذي خرج من عطبرة متوجهاً إلى مدينة أبو حمد على متن سيارة بوكس موديل 2017، قبل أن يُعثر عليه بعد عشرة أيام مقتولاً بطلق ناري في الرأس بالقرب من القرية (6) بمحلية الدامر.

ولاحقاً أعلنت السلطات في ولاية شمال كردفان القبض على المتهمين في الجريمة، بعد عملية نفذتها قوات مكافحة الظواهر السالبة بالتنسيق مع الخلية الأمنية، أسفرت عن استرداد المركبة وضبط حبوب محظورة تُقدّر قيمتها بأكثر من 18 مليون جنيه. غير أن المفارقة التي زادت من وقع الجريمة تمثلت في تداول أخبار عن قيام المتهمين بنشر مقطع فيديو عبر حساب القتيل على تطبيق “تيك توك” بعد الاستيلاء على هاتفه.

ولم يكد ملف مقتل زكي الدين يقترب من نهايته، أو ينتهي الجدل حول المتورطين فيه، حتى تصدر المشهد “بوكسي” آخر، وفي المسرح نفسه تقريباً؛ ولاية نهر النيل، وتحديداً مدينة عطبرة.

فقد تعرض المواطن أحمد كرار محمد سليمان لعملية نهب مسلح لسيارته “بوكس” موديل 2021 في حي الثورة (13) شرق الوحدة، بعدما اعترضه خمسة مسلحين كانوا يستقلون سيارة “تندرا”، وأجبروه تحت تهديد السلاح على تسليم مركبته قبل أن يلوذوا بالفرار.

وفي السابع عشر من يوليو الجاري أعلنت شرطة ولاية نهر النيل القبض على تشكيل إجرامي متهم بتنفيذ العملية، واسترداد المركبة خلال ساعات من وقوع الحادثة.

غير أن اللافت في هذه الواقعة أن أخباراً سبقت البيان الرسمي للشرطة تحدثت عن تحرك “فزع” أهلي من قبيلة العبابدة، تمكن من الوصول إلى السيارة المنهوبة بعد سلسلة من الاتصالات، قبل أن يطارد الجناة حتى منطقة أم عش، نواحي أم شديدة.

ولم يتوقف الأمر عند استعادة المركبة، إذ طالب الأهالي بتشكيل قوة عسكرية من أبناء ولاية نهر النيل، تعمل بالتنسيق مع الجيش، والإدارات الأهلية، والقيادات الدينية، ورجال الأعمال، لحماية الأرض والعرض والممتلكات، في مؤشر يعكس حجم القلق من التدهور الأمني الذي تعيشه الولاية.

ولم تعد جرائم نهب سيارات “البكاسي” تحت تهديد السلاح حكراً على ولاية نهر النيل. ففي منطقة الصالحة شمال أم درمان، قُتل شاب على يد متفلتين كان دافعهم الاستيلاء على سيارته، في حادثة تؤكد أن حالة السيولة الأمنية الناتجة عن تدفق السلاح واتساع دائرة حيازته، إلى جانب ازدياد أعداد المجموعات المسلحة، خلقت واقعاً جديداً أصبحت فيه الجريمة المنظمة أكثر جرأة واتساعاً.

فالحرب التي انطلقت طلقتها الأولى تحت شعار القضاء على مليشيا واحدة، انتهت إلى واقع أكثر تعقيداً، تتعدد فيه المليشيات، ويتسع فيه انتشار السلاح، بينما تتراجع سلطة الدولة لصالح قوى الأمر الواقع.

وفي خضم هذا المشهد، يحمّل كثيرون القوات المشتركة جانباً من المسؤولية، وهي اتهامات يرى آخرون أنها تمثل امتداداً لحالة الاستقطاب السياسي والاستثمار في الخلافات، ومحاولة لتوظيف البعد العرقي وإعادة رسم مشهد صراع جديد بين الجيش والقوات المشتركة، على ذات النسق الذي حكم الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع.

غير أن ما يفرض نفسه، بعيداً عن الاتهامات المتبادلة ومحاولات توظيف الأحداث سياسياً، هو حقيقة أكثر خطورة؛ فتصاعد الأصوات المطالبة بإبعاد القوات المشتركة عن المناطق المدنية، وتنامي الجرائم المنظمة، وتكرار حوادث النهب المسلح، كلها مؤشرات على تآكل سلطة الدولة وعجزها عن فرض الأمن وهي النهايات الطبيعة لمقدمة كان مفادها ان “المجد للبندقية” .

 

ولعل أكثر ما يعكس هذا التحول أن المواطنين أنفسهم باتوا يبحثون عن بدائل للدولة، بعدما طالب أهالي نهر النيل، عقب استرداد السيارة المنهوبة، بإطلاق يدهم لحماية الأرض والعرض والممتلكات.

وحين يصل المجتمع إلى مرحلة يطلب فيها من الدولة أن تسمح له بحماية نفسه، فإن القضية لم تعد مجرد سرقة مركبة أو انتشار للمخدرات، بل أصبحت دليلاً على اتساع رقعة الفوضى، وعلى دولة تتراجع سلطتها تدريجياً، تاركة فراغاً تتسابق إلى ملئه العصابات، وشبكات المخدرات، والمجموعات المسلحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *