البرهان والقوات المساندة.. تفكيك المعركة أم إشعالها من جديد؟
تقارير – استقصائي
قال الناطق باسم حركة جيش تحرير السودان، الصادق علي النور، إن قرار القائد العام للقوات المسلحة بخصوص إخضاع القوات المساندة لقانون الجيش يشمل كل التشكيلات العسكرية التي شاركت في حرب الكرامة بموجب “الاستنفار” العام، لكنه لا يشمل القوات المشتركة التي لها بروتوكول خاص.
ما ذكره الناطق باسم حركة مناوي ردده أيضًا الناطق باسم حركة العدل والمساواة برئاسة جبريل محمد زكريا. فقد وصف قرار البرهان بأنه خطوة لتنظيم أوضاع التشكيلات العسكرية التي ظهرت أثناء الحرب والحركات غير الموقعة على اتفاقية جوبا، لكنه لا يعني حركتهم ولا يخصهم باعتبارهم جهات شرعية على حد تعبيره.
بعد خمس سنوات من إلغاء المادة “5” التي فتحت المجال أمام قوات الدعم السريع للتمدد خارج الجيش، أصدر البرهان قرارًا بإخضاع جميع التشكيلات العسكرية في البلاد لقانون القوات المسلحة، باعتبار الجيش السلطة العليا. هذه الخطوة تُفسَّر بأنها محاولة لاحتكار أدوات العنف في بلد تجاوز عدد مليشياته 70، ولا يزال واقعه الاستقطابي يبشّر بالمزيد، في ظل ترسيخ قناعة “المجد للبندقية”.
السيطرة على البنادق المتعددة قد تفتح الطريق نحو الاستقرار والسلام. لكنها في المقابل تثير أسئلة حول توقيت القرار ودوافعه، وهل للأمر علاقة بعودة البرهان من رحلته السرية إلى سويسرا ولقائه مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مسعد بولس؟ والسؤال الأهم: من هي الجهة المقصودة بالقرار وأي قوة يريد قائد الجيش وضعها تحت جناحه؟
قناة “طيبة” الفضائية، التي تبث من خارج السودان وتُوصف بلسان حال “كيزان تركيا”، أعادت نشر تسجيل لأنس عمر، القيادي في حزب المؤتمر الوطني المعتقل لدى الدعم السريع. ظهر عمر مهددًا قائلاً: “ما في زول أرجل من الحركة الإسلامية لو بقي فريق أو فريق أول أو حتى مشير”. جاء التسجيل بعد قرارات البرهان التي أخضعت القوات المساندة للجيش لقانونه.
منذ بداية الحرب، انخرط منسوبو النظام البائد عبر كتائبهم، واعتبروا المعركة استعادة لكرامتهم. وفي ظل الحرب، استعادوا نفوذهم تدريجيًا، محاولين إعادة إنتاج تجربة التسعينات، مستفيدين من واقع الحرب واعتبار أنفسهم جنودًا يملكون شيكًا على بياض لكل الممارسات. كثيرون يرون أن هذه الحرب في جوهرها حرب عودتهم.
قرار إخضاع القوات المساندة لقانون الجيش ترافق مع تغييرات في المؤسسة العسكرية، شملت إحالات للمعاش وترقيات لضباط محسوبين على التيار الإسلامي. هذه التطورات عززت فرضية أن البرهان يسعى لفك ارتباطه بالحركة الإسلامية، وهو مطلب أميركي مطروح في الحوارات المغلقة، مع ضرورة أن يمسك بكامل خيوط اللعبة وحده. بناءً على هذه الرؤية، جرى تفسير القرار والإحالات بأنها ليست إجراءات روتينية، بل عملية لإعادة ترتيب بيت الجيش تمهيدًا لترتيب بيت الوطن، وإنهاء الحرب. هذا الترتيب يتطلب بالضرورة تقليص نفوذ الإسلاميين الرافضين للسلام. وقد رحّبت بعض قيادات تحالف “صمود” بقرارات البرهان، واعتبرتها خطوات ضرورية لتحقيق الانضباط ووحدة القرار في اتجاه السلام.
لكن السؤال يبقى: من هي القوات المساندة المشمولة بالقرار؟ حركات جوبا أعلنت أن القرار لا يشملها. أما المجموعات المرتبطة بالحركة الإسلامية وكتائبها مثل “البراءة وأخواتها”، فهي تنظيمات عقائدية ذات ولاء مطلق للتنظيم، وقد تتقاطع مع مشروع الجيش نفسه. إلى جانبها تظهر مليشيات درع السودان، التي تشبه في تكوينها الدعم السريع مع اختلاف الجغرافيا. من الواضح أن إخضاع هذه البنادق المتعددة لسلطة الجيش لن يكون سهلاً، في بلد لا يزال يعيش صدمة تمرّد الدعم السريع على الجيش.
القوات المشتركة وجدت في شرعية جوبا مخرجًا للتهرب من قرارات الجيش. لكن البرهان سيجد نفسه في مواجهة مفتوحة مع الإسلاميين الذين يعتبرون القرار استهدافًا لهم من رجل لا يثقون فيه، لكنهم مجبرون على التعامل معه. تذمّر الإسلاميين بدأ يظهر بوضوح في تغريدات وحملات إلكترونية رافضة لقراراته، خاصة بعد إحالة عدد من ضباط الدفعة 40 للمعاش، بينهم اللواء بكراوي، الذي تردّد خبر اعتقاله. هذه التطورات دفعت البعض للقول إن ساعة المواجهة بين البرهان والإسلاميين اقتربت أكثر من أي وقت مضى.
يبقى السؤال: في معركته الجديدة، هل يستخدم البرهان أسلوبه القديم “الحفر بالإبرة”، أم يلجأ إلى السلاح القادم من باكستان عبر صفقة قيل إن الولايات المتحدة سهّلتها؟
ورغم ترحيب كثيرين بخطوات “فك الارتباط” مع الإسلاميين، وفرض الانضباط داخل الجيش، إلا أن الشكوك باقية. البرهان رجل يصعب التنبؤ بخطواته. فهو الذي ألغى المادة 5 وسمح بتمدد الدعم السريع، ثم عاد ليخوض معركة لإخضاعه.
لتبقى المعادلة مفتوحة: هل يسعى البرهان إلى تفكيك المعركة وإنهاء الحرب، أم أنه يمهد لإشعالها من جديد؟