” أزهري ” يذكّر “المصباح” بما نساه من ديسمبر
تقرير – استقصائي
لم يكن محمد أزهري في خيمة الخطاب مجرد حاضر عابر، بل كان “ديسمبرياً” خالص الإيمان بأن الوطن أمامه، وأن الصباح، مهما طال، لا بد أن يُستلف له شيءٌ من الجرأة حتى يطل. في تلك اللحظة، استعار شجاعة وإقدام عباس فرح، وردّد بصوتٍ يعرف طريقه إلى الحناجر: «الترس ده ما بنشال… الترس ده وراه رجال»، كأنما كان يستدعي روح المتاريس لتقف خلف كلماته صفوفاً من يقين.
وثبات ديسمبر، وثبات المؤمنين بها، لم يكن يحتاج إلى أكثر من إيمانٍ راسخ، وانتهاج درب السلمية، ومواجهة المخاطر بصدورٍ عارية إلا من الشعار: «تسقط بس». من الجزيرة، حيث تحلّق روح “شعيرية” في سماوات الحلم، وتستعاد مشاهد أهل “العقدة المغاربة” بصلابتهم المعهودة، وفي حضرة “مصباح الجماعة” الذي توهّم أن إزالة جداريات الثورة من شارع القيادة كفيلة باقتلاعها من صدور الثوار.
بصمود ديسمبر، قال محمد: «يا مصباح، في حاجة نسيتها». فردّ عليه متحدياً: «أبشر وبلّغ ما شئت أن تُبلّغ». فرفع محمد بلاغه، لا ورقاً يُقدَّم، بل قميص ديسمبر يلوّح به في وجه النسيان، وجعل من صوته نشيداً لا يُكسَر: «نحنا ضد الكيزان والجنجويد»، مذكّراً قائد البراؤون ومن معه بحقائق الثورة التي لا تسقط بالتقادم: «نحن ضد الكيزان الذين أسقطناهم، وضد الجنجويد، نحن ضد أن يعودوا من جديد، وإن عادوا عدنا للشوارع والنشيد».
بعد كلمته، عاد “المصباح” إلى ظلام التسعينات، وانسحب الضوء خجلاً من ذاكرة أثقلها القمع، ومن تاريخ حزب المخلوع بما فيه من صنائع الجنجويد وصناعة حرب أبريل التي ما زالت جراحها مفتوحة. في الجزيرة، لم يفعل أزهري أكثر من أنه صدح بصوت ديسمبر، وذكّر الناسين أن الثورة ما تزال حيّة في قلوب من أشعلوا فتيلها، وأن الحلم، وإن أرهقته الحرب، لم يُقتل بعد.
انفعل “المصباح”، وفعل ما اعتاد عليه “الكيزان”: انخرط في موجة تكبير طويلة، وأتبعها بموجة “كرامة” مردداً «جيشاً واحد شعباً واحد»، ثم اتهم أزهري بابتسار الفيديو وحذف بعض ما جاء فيه، وتلك كانت تهمة “قحاطي الحاضرة”، محاولة منه للهروب من أزمات صنعوها وعلقوها على أكتاف الآخرين.
في لحظة واحدة، أنهى محمد أزهري كل الدعاية، وأعاد أنصار النظام البائد إلى موقعهم الطبيعي: مجرد ساقطين بإرادة شعبٍ إذا قال كلمته، مضت كالسهم لا يرده الظلام، ولن يعود الظالمون مهما غيروا جلودهم.
ومشهد ديسمبر الذي ظهر في “الخيمة” في حضور المصباح، سرعان ما نصب خيامه في مناطق أخرى، معيداً الجدل بين أنصار ديسمبر والفلول، بينما بعض من كانوا يشاركون أزهري في مواكب الثورة انتقدوا مواجهته لـ”المصباح”، مستندين إلى نظرية “ده ما وقتو”.
في فيديو المواجهة وما تلاه من تسجيلات، أكد محمد الأزهري ضرورة تحديد مشروع ديسمبر وأعدائه، وقالها بمنتهى الوضوح: ديسمبر “ضد الكيزان وضد الجنجويد”. ما قاله في الخيمة سبق وأن رددته الشوارع: «تسقط بس»، وهي نفسها الشوارع التي صدحت بالنشيد «الجنجويد ينحل». حينها كان المصباح وإخوته ينتظرون حميدتي لإعادة سلطتهم الضائعة، وحين وقف رفاق أزهري ضد الجنجويد، كان المصباح وأخوته ينظفون شوارع القيادة من آثار المجازر، فالجنجويدي بالنسبة لهم أجمل ما يكون وهو في خدمة الجماعة، وحين يرفض ذلك، تُقام حرب كرامة لتخليص البلاد من سوء الجنجويد؛ هذا ما يؤمن به فقه المصباح وأخوته.
عبارة أزهري «ضد الكيزان والجنجويد» التي ألقاها في وجه فتيان الكيزان المدللين كانت لسان حال جيل كامل، وصوت ثورة ما يزال المؤمنون بها يرددونه، يؤكدون أنهم ضد كل ما يعطل مسيرتها في تحقيق غايتها في سودان الحرية، حيث تسير العدالة بسلام. وعليه، قال أزهري ضد الكيزان والجنجويد، لأن الحرب ضد “السلام” شعار ديسمبر، ومعه الحرية والعدالة. ديسمبر وأصواتها حق، ضد الكيزان وضد الجنجويد، وضد عسكرة الفضاء المدني وضد ملشنة البلاد؛ فهي ضد قيادات مؤسسة الجيش، وليست ضد الجيش الرابط قاشه على ما يريد شعبه.
