معلومات التواصل

السودان،الخرطوم،الرياض

متواجدون على مدار الساعة

من سيطلق الرصاصة الأولى؟ البرهان أم الكيزان؟

هشام هباني

في الأنظمة العسكرية الهشة لا توجد صداقات دائمة، بل توجد مصالح مؤقتة وخيانات مؤجلة. وما يجري اليوم في معسكر بورتسودان ليس سوى نموذج كلاسيكي لتحالفٍ مأزوم بين رجلٍ مولع بالسلطة حتى الإدمان، وبين حركةٍ سياسية عاشت على اختطاف الدولة منذ انقلابها الشهير.
إن قرار الولايات المتحدة بتصنيف حركة الكيزان كمنظمة إرهابية إن ترسخ دولياً وتبناه آخرون لا يعني ذلك مجرد توصيف سياسي، بل يعني وضع قنبلة سياسية داخل معسكر السلطة في بورتسودان. لأن هذا القرار يضع عبد الفتاح البرهان أمام معادلة قاتلة:
إما أن يظل حليفاً للكيزان فيُصنَّف معهم، أو يتخلص منهم ليحاول النجاة بنفسه!
لكن المشكلة أن البرهان ليس سياسياً مستقلاً، بل هو نتاج تلك الشبكة نفسها التي أوصلته إلى السلطة. لذلك فإن أي محاولة منه للتنصل منهم ستُقرأ فوراً داخل معسكرهم كخيانة كبرى تستوجب الرد.
هنا تبدأ لعبة الضربة الاستباقية.
البرهان يعرف أن الكيزان هم أول المتضررين من أي تصنيف إرهابي، وأنهم سيدفعون الثمن الأكبر سياسياً ومالياً. ولذلك قد يغريه التفكير في تقديم بعضهم كقرابين سياسية للمجتمع الدولي، في محاولة بائسة لتلميع صورته كحاكم “براغماتي” يمكن التعامل معه.
لكن الكيزان، بخبرتهم الطويلة في الانقلابات والمؤامرات، يعرفون هذا السيناريو جيداً. فقد فعلوها من قبل حين خطفوا الدولة بانقلاب عام 1989، وهم يدركون أن من يسيطر على الجيش يسيطر على الدولة. ولذلك فإن هاجسهم الأكبر الآن ليس القرار الأمريكي، بل احتمال أن يسبقهم البرهان بخطوة ويبيعهم في سوق السياسة الدولية بثمن بقائه في السلطة.
وهكذا سيتحول التحالف في بورتسودان إلى حقل ألغام متبادل:
البرهان يخشى الكيزان،
والكيزان يخشون غدر البرهان.
وفي مثل هذه اللحظات التاريخية لا يكون السؤال: هل سيحدث الصدام؟
بل يصبح السؤال الحقيقي: من سيطلق الرصاصة الأولى؟
إذا شعر البرهان أن واشنطن قد تفتح له باب النجاة مقابل التضحية بحلفائه الإسلاميين، فقد يحاول تنفيذ ضربة وقائية داخل المؤسسة العسكرية، يعزل فيها بعض القيادات المرتبطة بالحركة الإسلامية ويقدمهم كأكباش فداء.
أما إذا شعر الكيزان أن البرهان يقترب من تلك الخطوة، فلن ينتظروا كثيراً. فمدرستهم السياسية تقوم على مبدأ بسيط: اضرب أولاً قبل أن تُضرب.
لكن وسط هذه اللعبة الخطرة هناك حقيقة أكبر:
كلا الطرفين لا يقاتل من أجل السودان، بل من أجل السلطة فقط.
فالبرهان لا يريد أن يخسر كرسي الحكم الذي أدمنه، والكيزان لا يريدون خسارة الدولة التي احتكروها عقوداً. وبين هذا وذاك يظل السودان نفسه هو الضحية الدائمة لصراع النخب التي تتعامل مع الوطن كغنيمة حرب.
ولهذا فإن السؤال الذي يتردد اليوم في أروقة السياسة السودانية ليس مجرد سؤال تكتيكي عن صراع داخل معسكر بورتسودان، بل هو سؤال عن نهاية مرحلة كاملة من تاريخ السودان.
فحين يبدأ الحلفاء في الخوف من بعضهم أكثر من خوفهم من خصومهم، فاعلم أن التحالف قد دخل مرحلة العد التنازلي.
وعندها قد لا يكون مهماً كثيراً من سيطلق الرصاصة الأولى…
لأن الحقيقة الأوضح هي أن الرصاصة الأخيرة ستصيب ما تبقى من سلطةٍ تتآكل من داخلها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *